الخميس 2 شباط 2023

النازحون السوريون في لبنان.. بين الواقع والخيال


النهار الاخبارية - وكالات 

لقد شكل موضوع النازحين السوريين اهتماماً كبيراً داخل الرأي العام اللبناني. فهناك من يعتبرهم عبئاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً، بينما يرى آخرون أنهم شعبٌ ظُلم ودفع ثمن مطالبته بالحرية والكرامة والعيش الرغيد. سنتناول في هذا المقال موضوع النازحين السوريين في لبنان من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وسنحاول إظهار حقيقة وواقع هذا النزوح بعيداً عن الوهم والخيال. 

الناحية الاقتصادية
يعتبر كثير من اللبنانيين أنّ للوجود السوري في لبنان انعكاسات سلبية على الاقتصاد اللبناني انطلاقاً من مقولة "سرقوا فرص العمل" وصولاً إلى مقولة "أنهكوا البنى التحتية  من ماء وكهرباء واتصالات".

بعد ذلك يتناسى أصحاب هذا الرأي، الذي يخالف الواقع أساساً، كل إيجابيات النزوح السوري على اللبنانيين بشكل عام. نحن لسنا هنا في موقع للدفاع عن النازحين السوريين، بل نحاول إظهار الحقيقة أو وضع الأمور في نصابها. من الناحية الأولى، إنّ عدداً قليلاً من اللبنانيين وقبل النزوح السوري يعملون في مهنٍ شاقة، كالبناء والحصاد مثلاً، لذلك نرى أن معظم العاملين في هذه المهنة هم من الإخوة السوريين، فلا يكون هذا سرقة لفرص العمل؛ لأن اللبنانيين  لا يعملون فيها أصلاً.

أما عندما يتعلق الأمر ببعض المهن الحرة، فنعم قد خلق النازحون السوريون منافسة للمهنيين اللبنانيين في هذا المجال. ولكن هذه المنافسة استفادت منها شريحة كبيرة من اللبنانيين بسبب رخص اليد العاملة. وهنا يتضح أن السوريين لم يسرقوا فرص العمل من اللبنانيين، بل على العكس خلقوا جواً تنافسياً استفاد منه القسم الأكبر من اللبنانيين.

أما من الناحية الثانية، فإنّ البنى التحتية اللبنانية ضعيفة ومتهالكة من قبل الأزمة السورية نتيجة الفساد وسوء الإدارة داخل مؤسسات الدولة، فلا يمكن أن نرمي فشل مؤسسات الدولة على النازحين، ولو كانت هذه المؤسسات قوية لكانت استفادت من هذا النزوح وحصلت على مزيد من الأرباح المالية.

أظهر النزوح السوري هشاشة البنى التحتية اللبنانية، ولم يكن سبباً لهذه الهشاشة. إضافة إلى ذلك، فقد استفاد اللبنانيون من تعليم مجاني في مدارس الدولة من الروضة إلى نهاية المرحلة المتوسطة بسبب النزوح  السوري، وحصلت معظم البلديات في القرى  التي يوجد فيها النازحون على مساعدات من المؤسسات الأممية، وأقيم عدد لا بأس به من الملاعب والقاعات أيضاً بسبب الوجود السوري.

كما أن الوجود السوري زاد نسبة الاستهلاك في استفادت المحال اللبنانية، وزادت أرباحها. أمام كل هذا يظهر وبشكل واضح أنّ للنزوح السوري انعكاسات إيجابية  كثيرة وليس كما يُشاع في الداخل اللبناني. 

الناحية السياسية
إنّ مسألة النزوح السوري بمجملها هي مسألة سياسية، وإن كان بعض الأطراف اللبنانية يحاول أن يوحي أن المشكلة مع الوجود السوري هي مشكلة اقتصادية فقط، وقد أوضحنا خطأ هذه الادعاءات.

فالأحزاب المسيحية بمختلف توجهاتها تقرأ الواقع السياسي بناءً على قاعدة رئيسية، وهي المحافظة على الوجود المادي والسياسي للمسيحيين في لبنان.

لذلك فهم يعارضون الوجود السوري، ليس لأسباب اقتصادية، بل لأنّهم يعتبرونه تهديداً لوجودهم، نظراً لأن النازحين معظمهم من المسلمين السُّنة، مما يخل بالتوازن الطائفي. كذلك الأمر عند الأحزاب الشيعية، وخاصة حزب اللّه الذي يتحمل مسؤولية كبيرة  في تهجير ملايين السوريين من بيوتهم بعد مشاركته بالحرب السورية إلى جانب النّظام الحاكم.

فإن كان الوجود السوري بالنسبة للمسيحيين يكسر التوازن الطائفي النسبي بين المسلمين والمسيحيين، فعند الشيعة يكسر التوازن المذهبي بين السُّنة والشيعة، خاصة أن عدد السوريين تجاوز المليون ونصف المليون حسب بعص التقديرات.

وهنا نستطيع أن نقول إن الأطراف اللبنانية تتعاطى مع موضوع النازحين من مفهوم الأقلية والأكثرية السائد في لبنان، وليس من منطلق اقتصادي أو حتى إنساني.  

في الختام، إنّ عودة النازحين السوريين ضرورية، ولكن يجب أن يعودوا بعد إزالة السبب الرئيسي الذي دفعهم إلى النزوح هذا أولاً.

أما ثانياً، فيجب أن يعودوا إلى مدنهم وقراهم حصراً، لكي تفشل مشاريع التغيير الديمغرافي التي ترعاها بعض الدول الإقليمية والدولية.