الجمعة 22 تشرين الأول 2021

هكذا يؤثر الاستخدام المفرط للهواتف على الأسرة


النهار الاخبارية - وكالات 

صحيح أن الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي كان هدفها الرئيسي هو "تعزيز الاتصال وتوطيد العلاقات"، إلا أن الواقع مختلف بات مختلفاً تماماً، وأصبحنا نعاني من الوحدة والانعزال أكثر من أي وقتٍ مضى.
ما هو أول شيء تقوم به بعد الاستيقاظ من النوم كل صباح؟ هل تقوم وتحتضن زوجتك وأطفالك، أم تقوم بتصفُّح حساباتك عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتتحقق من رسائلك الشخصية؟

لا أحد يمكنه الإنكار أن استخدام الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة قد غير شكل العالم بالكامل، وهي بالفعل وسائل لتعزيز التواصل وقطع المسافات التي لولا الإنترنت لما وجدنا سبيلاً في وصلها. 

ولكن، هل فكّرت من قبل في مدى تأثير الهواتف الذكية على العلاقات الأسرية ومستوى تربية وتنشئة الأطفال؟
مصطلح جديد في قواميس اللغة الإنجليزية لتوصيف الوباء
قد يبقيك هاتفك الخلوي على اتصال بفريق العمل والأصدقاء والعائلة الكبيرة مهما تباعد أفرادها وتناثروا حول العالم، إلا أن الاستخدام المفرط أو غير المناسب يمكن أن يضر بعلاقاتك الأهم والأكثر قرباً منك.

يتجاهل العديد من الأشخاص الأفراد الذين يتعاملون معهم خلال اليوم بصورة متكررة، ويستعيضون عنهم بـ"علاقات افتراضية" في "عالم افتراضي"، الأمر الذي قد يهدد علاقات الزواج ويؤثر سلباً على مستوى تربية الأطفال.

ووفقاً لقاموس كامبريدج، تم استحداث وصف phubbing لوصف تلك الحالة، وهي تعني "فعل تجاهل شخص ما أنت معه مكانياً والاهتمام بهاتفك المحمول بدلاً من ذلك".

هذه في الواقع عادة استخدام قهرية للهواتف المحمولة؛ لدرجة أن الهواتف التي من المفترض أنها "تعزز تواصلنا بالآخرين" باتت تدمر العلاقات الحقيقية في حياتنا، وهي تضر أيضاً بمستويات الأنشطة اليومية للشخص بشكل عام.

استخدام الهاتف المفرط يهدد التواصل في العلاقات الزوجية
غالباً ما يؤدي استخدام الهاتف الذكي المفرط إلى الإضرار بجودة العلاقات، ما لم يكن الأمر منحصراً فقط في التفاتة عابرة من حين لآخر بسبب تلقي بريد عاجل أو رسالة أو مكالمة مهمة.

ومع ذلك، إذا كان الأمر نمطاً دائماً، فقد يؤدي ذلك إلى جعل الشخص الذي تعيش معه يشعر بأنه غير ذي أهمية. وقد يبدأ شريك حياتك في المعاناة من الحزن الذي حتماً ما سيتحول إلى غضب إذا لم يتم معالجته بين الطرفين أولاً بأول.

ووفقاً لموقع Marriage للعلاقات الزوجية، لا بد أن تتسلل هذه المشاعر السلبية تدريجياً إلى العلاقة ويمكن أن تكون مثالاً واضحاً لمدى تأثير الهواتف المحمولة في تدمير العلاقات. 

علاوة على ذلك، قد يربطنا استخدام الهاتف بالعالم الافتراضي والأشخاص البعيدين، لكنه في الوقت نفسه يصرفنا عن الأشخاص القريبين منا ويحرمنا من الأشياء المهمة.

وهذا يمكن أن يجعلنا غير مقبولين في دائرتنا المقرّبة بسبب غيابنا الذهني عنهم.
ويقول الكاتب الأمريكي جيمس روبرتس وفقاً لموقع Very Well Mind إنه "عندما تكون مع شخص ما وتجده يتفقد الهاتف المحمول في يده باستمرار، أو يتصفح التطبيقات، أو يرسل رسائل نصية، أو ينخرط كلياً فيما يتلقاه عبر الهاتف، فقد تشعر بالإهانة وأنك لست مع هذا الشخص بشكل كامل".

ويتابع: "عندما تجري محادثة مع هذا الشخص، فإنها تبعث برسالة واضحة لك مفادها أنك غير مهم"، ولا يُعد ذلك سلوكاً فظاً فحسب، بل يهدد علاقات الزواج وقد يؤدي لانتهائها، بحسب الكاتب.

يُنظر أيضاً إلى مثل هؤلاء الأشخاص المنصبّين على هواتف في اللقاءات الجماعية على أنهم أقل تفاعلاً وحميمية وأكثر سلبية وعدائية. 

على العكس، دائماً ما يكون الاتصال وجهاً لوجه أكثر فاعلية في توصيل المشاعر والإحساس بالتواصل البشري الضروري للسلامة النفسية، بحسب Marriage.

تشتت الآباء عن أطفالهم في مراحل حساسة من تكوينهم
على الرغم من أن الآباء مسؤولون عن وضع حدود لوقت الشاشة لأطفالهم، فإن متطلبات العالم الحديث- وواجبات العمل والحياة المنزلية- يمكن أن تجعل من الصعب على الآباء التوقف عن العمل والحد من استخدام هواتفهم.

إذ باتت إمكانية الاتصال المستمرة التي تسمح به الهواتف المحمولة تزيد من صعوبة إدارة الوقت الخاص ووقت العمل، ويمكن أن يؤدي الأمر إلى تشتت انتباه الأب والأم عن طفلهم بصورة كبيرة.

وبينما يُعتقد أن الآباء يقضون وقتاً أطول مع أطفالهم مما كان عليه الأمر في الماضي، يُعتقد أن جودة التفاعل نفسها قد انخفضت. 

واتضح في دراسة استقصائية نشرتها صحيفة New York Post عام 2019، شملت 2000 من أولياء أمور الأطفال في سن المدرسة (الذين تتراوح أعمار أولادهم بين 5 و18 عاماً)، أن نصف المشاركين في الدراسة طلب منهم أطفالهم وضع هواتفهم جانباً والانتباه لهم.
ويدرك الآباء بالفعل أن الوقت الذي يقضونه أمام شاشات الهاتف الذكي تمثل مشكلة، إذ أقر 62% ممن شملهم الاستطلاع أنهم يقضون بالفعل الكثير من الوقت على هواتفهم المحمولة أثناء وجود أطفالهم.

ومع ذلك، فإن الحديث عن تقليل استخدام الهاتف أسهل من الفعل، ففي دراسة أخرى نشرها موقع Medium، قال 69% من الآباء الذين شملهم الاستطلاع إنهم يشعرون أنهم "مدمنون" على هواتفهم. وبناء على ذلك، ثبت أن مدة إمضاء الآباء الوقت مع أطفالهم تجاوزت مدة استخدام الهاتف خلال اليوم بنصف ساعة فقط.

وكشفت النتائج أن المستطلعين قضوا ساعتين و17 دقيقة من الوقت الشخصي على هواتفهم يومياً، مقارنة بساعتين و41 دقيقة من الوقت الخالي من الشاشة مع أطفالهم.

الأطفال يعانون بدورهم بعد أن أصبح الهاتف "وسيلة تربوية"
المشكلة لم تتوقف فقط عند استخدام الهاتف المفرط لدى الآباء بشكل جعل وقتهم الثمين في طفولة أبنائهم محدوداً فحسب، بل انتقلت المشكلة للأطفال بدورهم، وذلك لأنهم يرون الآباء يفعلون ذات الأمر طوال الوقت.

وبحسب Medium، شعر 74% من الآباء بالقلق من أن أطفالهم يقضون الكثير من الوقت في التحديق في شاشات الهواتف، بمتوسط ​​ساعتين يومياً.

في الوقت نفسه، كشفت النتائج أيضاً أن الشاشات أصبحت الآن أداة متكاملة للأبوة والأمومة. ووافقت غالبية المستجيبين، بنسبة بلغت 83%، على أن "الهواتف الذكية وشاشات التكنولوجيا أصبحت ضرورية في تربية الطفل في هذا العصر".

فبالنسبة لـ58% من الآباء المعاصرين، يمكن استخدام وقت الهاتف- سواء للعب أو لمشاهدة الرسوم المتحركة- لإبقاء الطفل مشغولاً حتى الانتهاء من القيام بمهمة، وقال 53% إنهم يستخدمونه كمكافأة، بينما قال 52% منهم إنهم يستخدمونه لتهدئة الطفل وإسكاته عند البكاء أو الدخول في نوبات الغضب والعصيان.

ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع يدركون أهمية قضاء الوقت مع أولادهم بدون هواتف، وقال 83% منهم إنهم يعتقدون أنه من المهم قضاء الوقت كعائلة بدون وجود شاشات لتوطيد العلاقات وتعزيز جودة التواصل.

والغريب أن 79% منهم أقروا أن علاقتهم بأطفالهم ستتحسن كلياً إذا قضوا جميعاً وقتاً أقل على أجهزتهم المحمولة، وفقاً لـNew York Post.

الوقت الأسري في عصر الهواتف الذكية أصبح "مثيراً للوحدة"
كشفت دراسة بريطانية نشرها موقع Wiley Online Library العلمي عام 2019، أنه حتى جودة الوقت التي تحظى بها الأسرة معاً في المنزل أصبحت خالية من القيمة والتأثير النفسي المرجو بسبب استخدام الهاتف بشكل مفرط.

وقامت الدراسة بتحليل الجدول الزمني للآباء وأطفالهم ممن تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عاماً، مرة في عام 2000 ومرة أخرى في عام 2015 – وهي الفترة التي شهدت تغيراً تقنياً سريعاً.

وعلى عكس التوقعات، اتضح أن الأطفال باتوا يمضون وقتاً أطول في المنزل مع والديهم في عام 2015 مقارنة بعام 2000. وهذا يعادل ما يزيد قليلاً عن نصف ساعة إضافية يومياً.

لكن بالنظر عن كثب، قال الأطفال إنهم كانوا يشعرون "بالوحدة" خلال كل هذا الوقت الإضافي في المنزل مع آبائهم. وبهذا المعنى، فهم يمضون الوقت معاً لكن في وِحدة.

واتضح أن الأطفال والآباء أمضوا نفس القدر من الوقت تقريباً (حوالي 90 دقيقة) في استخدام الهاتف عندما يكونون معاً في وقت ثمين مشترك بينهما، أو ما يُسمى بـ"Quality Time".

ولفتت صحيفة Independent إلى أن الأبحاث والاستطلاعات المختلفة حول المشكلة تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن الحضور (غير المشتت) بين أفراد الأسرة يدعم العلاقات ويوطدها. 

كما تشير الأدلة نفسها إلى أن التكنولوجيا التي تهدف إلى ربطنا، تقوم للمفارقة بتقويض اتصالنا بأهم الأشخاص في حياتنا.

لذلك في المرة المقبلة التي تشيح بوجهك عن شريك حياتك أو طفلك لكي تتصفح رسالة بريدية جديدة، فكِّر ملياً فيما ستخسره من وقت وحميمية لن تُعوَّض.