السبت 16 تشرين الأول 2021

تقارير وتحقيقات

هل يشهد العالم أزدهار افضل بعد جائحة كورونا

النهار الاخباريه- وكالات
في الأيام الأولى من جائحة فيروس كورونا، توقف قسم كبير من الاقتصاد العالمي في شكل محكم. ففي الولايات المتحدة، هبط الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة إلى مستويات متدنية تاريخية غير مسبوقة. وفي منطقة اليورو، انكمش تشغيل العمالة بأقصى معدل مسجل على الإطلاق. وفي مختلف أنحاء العالم، غرق عدد من الاقتصادات في ركود مفاجئ وعميق.
بيد أن الجائحة أصابت الاقتصاد العالمي بأكثر من شلل مؤقت، إذ حفّزت الشركات في كل قطاع تقريباً على إعادة النظر جذرياً في عملياتها، ما عجّل في كثير من الأحيان بخطط الابتكار التكنولوجي والمؤسساتي التي وُضعت قيد التطبيق بالفعل. وكذلك تبنّت الشركات بغالبية ساحقة تكنولوجيات رقمية جديدة مكّنتها من الاستمرار في ممارسة أعمالها حتى في ظل قيود شديدة فُرضت بسبب "كوفيد-19". وجاءت النتيجة على هيئة تحوّل اقتصادي عميق، عزز القدرات الكامنة المتعلقة بمكاسب الإنتاجية حتى في القطاعات التي تعوّدت تاريخياً على البطء في التغيير. ومثلاً، في مجال الرعاية الصحية، نُظر إلى الطب عن بعد ("تلميدسين" Telemedicine) منذ فترة طويلة، باعتباره تغييراً يحمل وعوداً بقيم مضافة وأوجه جديدة في الكفاءة، لكنه لم ينطلق بقوة إلا بعد أزمة "كوفيد". وفي قطاع البيع بالتجزئة، باستثناء الأطراف الفاعلة في التجارة الإلكترونية، تبنّت الشركات ببطء استراتيجيات المبيعات الرقمية، وجاء ذلك في الأغلب كوسيلة لاستكمال البيع بالتجزئة في المحال المخصصة لذلك. ثم تغيّر ذلك بسرعة مع الجائحة.
في شكل ربما يبدو مفاجئاً، من الممكن أن يخرج عصر جديد في مكاسب الإنتاجية والرخاء من أعمق أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية. وسيعتمد حدوث ذلك من عدمه إلى حدّ كبير، على القرارات التي تتخذها الحكومات والشركات عندما تستعد للخروج من الجائحة في الأشهر المقبلة. وفي الأجلين القريب والمتوسط، تظهر علامات مشجعة في آفاق زيادة الإنتاجية والازدهار، إذ تنفق الولايات المتحدة وغيرها من البلدان في شكل كبير على التعافي الاقتصادي، وتجني الشركات منافع التوسع الرقمي. لكن التوقعات أقل تفاؤلاً في الأجل البعيد، لأن الحكومات غير قادرة على الإنفاق إلى ما لا نهاية، وربما لا يسد الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري الفجوة.
واستناداً إلى ذلك، على الحكومات والشركات أن تسعى إلى تكوين الظروف الكفيلة بتعزيز نمو الإنتاجية والازدهار في شكل مستدام، خصوصاً من خلال تيسير نشر الابتكارات التكنولوجية والمؤسساتية وتعزيز الطلب الاستهلاكي. وربما تعطي أزمة عالمية كبرى، دفعة ضخمة لنمو الإنتاجية، لكن هذا لا يحدث إلا إذا حقق واضعو السياسات وقادة الأعمال أقصى استفادة من اللحظة الحالية [واقتنصوا الفرص السانحة].
مفارقة الإنتاجية
يمكن فهم تاريخ نمو الإنتاجية باعتباره سلسلة متعاقبة من الثورات التكنولوجية، من المحرك البخاري إلى الكمبيوتر. وقدّمت كل ثورة وعداً بتسريع الإنتاجية والنمو الاقتصادي، وحققت كل ثورة ذلك الوعد في نهاية المطاف. لكن، في أحيان كثيرة، حدث تأخّر بين ابتكار التكنولوجيا وتبنّيها من جهة، وبين تبنّي التكنولوجيا وحدوث تأثيرها الاقتصادي، من جهة أخرى. ولخّص الاقتصادي روبرت سولو تلك التفاوتات الظاهرة في مقالة نشرتها عام 1987 مجلة "مراجعة نيويورك تايمز للكتب"، فكتب "يمكنكم رؤية عصر الكمبيوتر في كل مكان، باستثناء الإحصاءات الخاصة بالإنتاجية". وأصبحت صيغته معروفة باسم "مفارقة سولو".
واستطراداً، انطلقت ثورة تكنولوجيات المعلومات والاتصالات بين عامي 1995 و2005، وشكّل ذلك عقداً من الزمن حُلّت فيه "مفارقة سولو" مؤقتاً، إذ حدث تبنٍّ لتلك التكنولوجيات على نطاق واسع، مصحوباً بتسارع متزامن في الإنتاجية التي سجلت نمواً سنوياً بلغ 2.5 في المئة في الولايات المتحدة، وهو معدل أسرع بنقطة مئوية كاملة بالمقارنة مع المعدل المسجل بين عامي 1970 و1995. فاستثمرت الشركات بكثافة في تكنولوجيات المعلومات والاتصالات وأعادت تنظيم عملياتها وممارساتها الإدارية وفقاً لتلك التكنولوجيات. وفعلت الشركات ذلك مدفوعة برغبتها باكتساب ميزة تنافسية، وكذلك بسبب الطلب الاستهلاكي القوي نسبياً على منتجاتها.
ونتيجة لذلك، تسارعت معدلات نمو الإنتاجية في عدد من القطاعات، ما أدى إلى نمو الاقتصاد الأميركي ككل. واتسمت تلك الفترة بمزيج غير عادي من الطفرات الكبيرة في نمو الإنتاجية في بعض القطاعات الكبيرة التي توظف كثيراً من العاملين كقطاع البيع بالتجزئة والبيع بالجملة، بل حدثت أيضاً زيادة في نمو الإنتاجية في قطاعات أصغر حجماً كتلك التي تنتج الكمبيوترات والمنتجات الإلكترونية. وفي القطاعين العام والخاص كليهما، انطلقت دورة حميدة من نمو تشغيل العمالة بهدف تلبية الطلب، حتى إنه حدث نمو أسرع في قيمة الناتج في تلك القطاعات. وارتفعت قيمة النواتج في قطاعات الاقتصاد كلها بنسبة 3.4 في المئة سنوياً بين عامي 1995 و2005، في حين لم تتجاوز زيادة العدد الإجمالي في ساعات العمل 0.9 في المئة سنوياً.
لكن، لم يدُم ذلك الازدهار. فبين عامي 2005 و2019، هبط نمو الإنتاجية السنوي في الولايات المتحدة بأكثر من النصف، ليصل إلى 1.0 في المئة. وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية 2008، بين عامي 2010 و2019، تدنّى مستوى نمو الإنتاجية إلى أقل من ذلك، إذ سجل نسبة بلغت 0.6 في المئة. وعلى النقيض من الولايات المتحدة، لم تشهد البلدان الأوروبية مكاسب سريعة في الإنتاجية بين عامي 1995 و2005، لكنها شهدت انحداراً فيها بعد الأزمة. فبين عامي 2010 و2019، هبط نمو الإنتاجية السنوي إلى ما دون واحد في المئة في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.
وعادت "مفارقة سولو". فبعد عقد من الزمن من المكاسب السريعة في الإنتاجية، بلغت ثورة تكنولوجيا المعلومات نقطة العوائد المتراجعة. في المقابل، لم تكُن الموجة التالية من التكنولوجيا المعلوماتية، تلك التي تشكل رقمنة العمليات و"البيانات الضخمة" والتحليلات المؤتمتة و"حوسبة السحاب" و"إنترنت الأشياء"، لم تكُن بعد جاهزة لسدّ الفجوة. وعلى الرغم من الاختراقات المبكرة في تقنيات التعرّف إلى الصور ومعالجة اللغات الطبيعية، لم تبدأ سوى قلة من الشركات في استخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، وأخذ التحول إلى التكنولوجيا الرقمية يسير ببطء. وقدّرنا، بالاستناد إلى تقييم لكل قطاع على حدة، أن الولايات المتحدة في 2015 لم تتجاوز 18 في المئة من إمكاناتها الرقمية، وأن أوروبا لم تبلغ سوى 12 في المئة.
وعلاوة على ذلك، فُتحت فجوة بين الشركات الرقمية القيادية والشركات المتأخرة في التكنولوجيا الرقمية. وتوصّل باحثون آخرون إلى أنها ارتبطت بالفجوة في إنتاجية العمالة.
واستطراداً، أخذت تلك الفجوة في تبنّي التكنولوجيا تتسع في وقت اتّسم بضعف الطلب الاستهلاكي على البضائع والخدمات، وجاء ذلك إلى حد كبير بسبب الآثار اللاحقة للأزمة المالية. فخفضت الشركات استثماراتها إلى حد كبير، كذلك أُسّس عدد أقل من الشركات الجديدة. وما زاد الطين بلّة أن حصة الدخل التي تدفقت إلى أصحاب أعلى المداخيل وأصحاب رأس المال ازدادت، في حين انخفضت الحصة التي ذهبت إلى العمالة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الضعف في الطلب.
وفي مختلف أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا، شهدت الغالبية العظمى من القطاعات تراجعات في نمو الإنتاجية. ولم يسجل سوى أربعة في المئة من القطاعات كلها قفزة في الإنتاجية عام 2014، بالمقارنة مع ما متوسطه 18 في المئة ضمن القطاعات التي حققت زيادات كبيرة في الإنتاجية خلال العقدين الماضيين. وانخفض النمو في إجمالي القيمة المضافة، الذي يُعتبر مقياساً لمدى إسهام شركة أو قطاع ما في الناتج المحلي الإجمالي، من 3.4 في المئة سنوياً بين عامي 1995 و2005 إلى 1.8 في المئة بين عامي 2005 و2019. وظل النمو في ساعات العمل من دون تغيير تقريباً، عند 0.7 في المئة، على مدى الفترتين.
والواقع أن هاتين الفترتين المختلفتين للغاية من النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة تكشفان كثيراً عن الأسس التي يستند إليها نمو الإنتاجية، إذ ينبع نمو الإنتاجية أو بدايةً وقبل كل شيء، من تبنّي الابتكارات التكنولوجية على نطاق واسع، لا سيما التكنولوجيات ذات الأغراض العامة على غرار الكهرباء والإنترنت. وكذلك ينبع نمو الإنتاجية أيضاً من الابتكار الإداري وإعادة تنظيم الوظائف والمهمات التي تحدث حينما تتبنّى الشركات تكنولوجيات جديدة. ويتعيّن على هاتين العمليتين تحفيز القفزات في نمو الإنتاجية ضمن عدد من القطاعات، أو على الأقل في بعض القطاعات الضخمة، إلى حين حدوث قفزة الإنتاجية في الاقتصاد ككل. وأخيراً، يجب أن يكون التبنّي وإعادة التنظيم داخل القطاعات وبينها، مدفوعاً بالمنافسة التي تحفّز الشركات على الابتكار وتساعد في تحفيز الانتشار التكنولوجي.
في منحى موازٍ، لا تتساوى حالات النمو في الإنتاجية كلها. ومن الممكن تحقيق نمو الإنتاجية من خلال تحقيق مكاسب في الحجم أو القيمة الخاصّين بمنتجات عدد معين من الساعات التي يُعمل فيها، أو يمكن أن يتحقق نتيجة خفض عدد الساعات التي يُعمل فيها من أجل منتج معين. وفي غالبية الأحيان، يحدث الأمران كلاهما في الوقت ذاته. من جهة أخرى، حينما يتجاوز الأول (تحقيق مكاسب في القيمة) الثاني (خفض ساعات العمل)، تنشأ دورة حميدة يؤدي فيها الابتكار والاستثمار إلى نمو في تشغيل العمالة والأجور، ويستتبع ذلك حدوث طلب على منتج تتزايد وفرته (أو يُضحي أكثر قيمة). وحدثت تلك الدورة بين عامي 1995 و2005. من وجهة مغايرة، إذا تجاوز المصدر الأخير في نمو الإنتاجية (خفض ساعات العمل) المصدر الأول (زيادة القيمة)، تنشأ حلقة مفرغة تخفض فيها الشركات تكاليف العمالة بسرعة تفوق زيادتها حجم المنتجات أو قيمتها، ما يؤدي تالياً إلى ضغوط متزايدة على تشغيل العمالة والمداخيل.
إمكانات ما بعد الجائحة
أدّت الجائحة إلى تهيئة الاقتصادات المتقدمة لفترة أخرى من النمو السريع للإنتاجية. ومن السابق للأوان أن نجزم يقيناً بشأن حدوث حلقة حميدة أو مفرغة، بأثر من ذلك النمو. في المقابل، تشير الدلائل إلى احتمال حدوث الحلقة الأولى (الحميدة). فعلى الرغم من عدم اليقين والإجهاد وتراجع النشاط الاقتصادي في الأيام الأولى من أزمة "كوفيد- 19"، نشر عدد من الشركات بجرأة تكنولوجيا جديدة ذات غرض عام، خصوصاً التكنولوجيا الرقمية، واستخدمتها في أشكال حفزت حدوث مكاسب إنتاجية حميدة في الماضي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أجرينا استطلاعاً لـ900 من المسؤولين التنفيذيين في قطاعات وبلدان مختلفة، ووجدنا أن عدداً كبيراً منهم رَقْمَنوا أعمالهم بسرعة تتراوح بين 20 و25 ضعفاً بالمقارنة مع ما تصوّروه قبل الجائحة. وفي أحيان كثيرة، عنى ذلك تحويل شركاتهم إلى قنوات عبر الإنترنت، إذ شهد حوالى 60 في المئة من الشركات التي شملها استطلاعنا زيادة كبيرة في طلب العملاء على البضائع والخدمات عبر الإنترنت، نتيجة للجائحة.
وقبل انتشار الوباء، سرى توقّع بأن تمثّل التجارة الإلكترونية أقل من ربع مبيعات التجزئة الأميركية مع حلول 2024. في المقابل، خلال الشهرين الأولين من أزمة كورونا، تضاعفت حصة التجارة الإلكترونية في مبيعات التجزئة من 16 في المئة إلى 33 في المئة. ولم يقتصر ذلك النمو على الشركات التي تعمل من مقرات مادية مبنيّة بالحجر والإسمنت، ودفعتها الجائحة إلى إنشاء متاجر عبر الإنترنت للمرة الأولى. بالأحرى، شمل ذلك الشركات التي عملت بشكل مُرَقْمَنْ إلى حد كبير قبل انتشار الجائحة، ثم وسّعت إلى حد كبير قدراتها عبر الإنترنت بهدف تلبية الزيادة الهائلة في الطلب أثناء جائحة كورونا. كذلك أعادت تلك الشركات الأخيرة تنظيم عملياتها، بما في ذلك خدماتها اللوجستية، بهدف استكمال ما كانت تفعله رقمياً، على غرار توسيع قدرات التسليم المباشر إلى المنازل.
في سياق مشابه، سعت الشركات جاهدة كي تصبح أكثر كفاءة ورشاقة. وفي أوروبا وأميركا الشمالية، ذكر نصف المستجيبين لاستطلاعنا ـنهم خفضوا حصة إنفاقهم التشغيلي من العوائد بين ديسمبر (كانون الأول) 2019 وديسمبر 2020. وذكر ثلثا كبار المسؤولين التنفيذيين أنهم زادوا من استثماراتهم في الأتمتة والذكاء الاصطناعي، سواء بهدف مساعدة عمليات المستودعات والخدمات اللوجستية في التعامل مع زيادة أحجام التجارة الإلكترونية، أو لتمكين معامل التصنيع من تلبية الطلب المتزايد. وكذلك عمد عدد من الشركات إلى استخدام التكنولوجيا في الحد من الكثافة المادية ضمن أماكن عملها أو تمكين الخدمات الخالية من التواصل، على غرار توسيع نطاق الدفع الذاتي في متاجر البقالة والصيدليات، واستخدام تطبيقات الطلب عبر الإنترنت في المطاعم والفنادق. كذلك سرّعت شركات أخرى كمعامل تعبئة اللحوم ومنتجات الدواجن، نشر الروبوتات من أجل الحد من حاجاتها للعمالة. وإذا أمكن تحصيل درس واحد من تلك الجائحة، فإنه يتمثّل في أن القدرة الرقمية والمرونة تسيران جنباً إلى جنب.
في إطار متصل، أدى وصول اللقاحات إلى التمكن من تخيّل العودة إلى الحالة الطبيعية نسبياً في أجزاء من العالم المتقدم، لكن ذلك لم يمنع التوسع الرقمي المستمر وتبنّي الابتكارات التكنولوجية الأخرى، مع وعودها بتحقيق مزيد من المكاسب في الإنتاجية. وربما يأتي أكبر تلك المكاسب، أي حوالى نقطتين مئويتين إضافيتين سنوياً، في قطاعات الرعاية الصحية والبناء وتكنولوجيا المعلومات والبيع بالتجزئة والمستحضرات الصيدلانية والمصارف. ومثلاً، في مجال الرعاية الصحية، من الممكن أن يؤدي التعجيل باستخدام الطب عن بُعد إثر انحسار الجائحة، إلى دفع معدلات نمو الإنتاجية الى التزايد على مدار أعوام مقبلة. ووفق استطلاع أميركي حديث، أعرب 76 في المئة من المرضى عن اهتمامهم باستخدام الطب عن بُعد في المستقبل، ويتوقّع خبراء القطاع أن الخدمات الخاصة بـ20 في المئة من الإنفاق على الرعاية الصحية يمكن تقديمها افتراضياً، فيما كانت النسبة 11 في المئة قبل انتشار الجائحة. وتحتوي قطاعات أخرى، بما في ذلك تصنيع السيارات والسفر والخدمات اللوجستية إمكانات كامنة أقل، لكنها ضخمة نوعياً، على صعيد نمو الإنتاجية المتأتي من برمجة أكثر مرونة للمهمات وعمليات أكثر رشاقة ومشتريات أكثر ذكاء.
وعموماً، من شأن تلك الابتكارات والتغييرات المؤسساتية أن تسرّع نمو الإنتاجية بحوالى نقطة مئوية واحدة سنوياً وصولاً إلى 2024 في الولايات المتحدة وستة اقتصادات أوروبية كبيرة حلّلناها (فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة). وربما يؤدي ذلك المكسب إلى معدل في نمو الإنتاجية يبلغ ضعفي المعدل المسجل بعد الأزمة المالية العالمية 2008. وفي الولايات المتحدة، من المحتمل أن تزيد حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بثلاثة آلاف و500 دولار تقريباً في 2024. وربما يمثّل ذلك نتيجة مذهلة، لكنه سيكون معلّقاً على التبنّي المستمر للتكنولوجيا من قبل الشركات والحفاظ على طلب قوي.
ويرجّح أن تلوح في الأفق مكاسب إضافية في الإنتاجية حتى بفضل مظاهر أخرى في التقدّم. ومثلاً، ربما تبدّل الثورة المتسارعة في البيولوجيا التوجهات في قطاعات من الرعاية الصحية والزراعة، فتنتقل إلى البضائع الاستهلاكية والطاقة والمواد. وفعلياً، مكّن الابتكار البيولوجي من التطوير السريع للقاحات كورونا الجديدة. ويمكن لثورات مثيرة للإعجاب بالمقدار ذاته في مجال الطاقة، أن تمكّن من تبنّي طاقتي الشمس والرياح على نطاق واسع، لا سيما في ضوء التقدم المحرز أخيراً باتجاه بطاريات أفضل (وأرخص). كذلك يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة، لكنه لا يزال بعيداً من الانتشار على نطاق واسع في الشركات والقطاعات. وحين يحدث ذلك، إذا حدث، ستسجّل مكاسب هائلة في الإنتاجية.
الالتحاق بالشركات الرقمية القيادية
من المرجح أن تكون المكاسب المستقبلية في الإنتاجية، بما فيها حتى تلك التي تعزز النمو الإجمالي، غير متساوية. وحلّلنا مقاييس تتعلق بإمكانية إطلاق نمو الإنتاجية في المستقبل كالإنفاق على البحث والتطوير والعوائد والنفقات الرأسمالية (بما في ذلك النفقات الرقمية) والاندماجات والاستحواذات. ووجدنا أن عدداً قليلاً من الشركات الكبرى البارزة، لا سيما في الولايات المتحدة، مثّل حصة كبيرة في شكل غير متناسب [مع نسبة تلك الشركات إلى إجمالي أعدادها] من النشاط في تلك الفئات كلها. فبين الفصل الثالث من 2019 والفصل الثالث من 2020، شهدت "الشركات السوبر ستار" الأميركية ( Superstar Companies تُعرّف بأنها أعلى 10 شركات ربحاً) تراجعات أكثر سطحية بكثير في الإنفاق من رساميلها وعوائدها، بالمقارنة مع الشركات الأخرى. وخلال الفترة ذاتها، أنفقت "الشركات السوبر ستار" الأميركية على البحث والتطوير مبلغاً يزيد بـ2.6 مليار دولار على ما أنفقته في العام السابق، فيما لم تبلغ الزيادة في الإنفاق المماثل لدى الشركات الأخرى كلها إلا 1.4 مليار دولار.
وإذا استمرت تلك الفجوة في الاستثمار والابتكار وتبنّي التكنولوجيا بين "الشركات السوبر ستار" وبقية الشركات الكبرى والشركات الأصغر حجماً والأقل ربحية، من المحتمل أن لا يستطيع أي تسارع في نمو الإنتاجية في مرحلة ما بعد الجائحة، أن يحقق إمكاناته. وعانت الشركات الصغيرة والمتوسطة في شكل غير متناسب مع حجمها بسبب أزمة كورونا. ونتيجة لذلك، لا يستطيع كثير منها النهوض باستثمارات كبيرة في الإنتاجية مستقبلاً، بالتالي ستضحي عرضة لمزيد من التخلّف وراء "الشركات السوبر ستار". وحدث ذلك في أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2008، عندما لم تحقق سوى قلّة من الشركات نمواً في الإنتاجية.
من زاوية مغايرة، ثمة مجال للتفاؤل الحذر في شأن قدرة الشركات التي لا تعتبر "سوبر ستار" على سد بعض من تلك الفجوة [التي تفصلها عن "الشركات السوبر ستار"]. فقبل الجائحة، كانت هذه الشركات تميل إلى أن تكون رقمية ومبتكرة للغاية في مقارباتها الإدارية، فضلاً عن كونها أكثر ربحية ومرونة. بالتالي، امتلكت وضعية أفضل من بقية الشركات بشأن قدرتها في تجاوز الصدمة، بل حتى الاستفادة منها. في المقابل، مع تعافي الشركات والقطاعات الأكثر تضرراً، ومع برهنة الشركات التي تبنّت التكنولوجيات الرقمية مبكراً على الإمكانات الهائلة في تلك التكنولوجيات، ربما يبدأ عدد من الشركات المتخلفة رقمياً في اللحاق بالركب. وفي الواقع، أظهر استطلاع آخر للمسؤولين التنفيذيين أجريناه في ديسمبر 2020، أن حوالى 75 في المئة من المشاركين في أميركا الشمالية وأوروبا يتوقعون تسارع الاستثمار في التكنولوجيات الجديدة في شكل كبير بين عامي 2020 و2024، بعدما لامست تلك النسبة ذاتها حوالى الـ55 في المئة بين عامي 2014 و2019. وجاءت تلك الزيادة المتوقعة، متشابهة بين الشركات من الأحجام المختلفة.
وثمة سبب آخر للتفاؤل مفاده بأن 2020 الذي شهد أحلك الأيام الاقتصادية للجائحة، عايش أيضاً إنشاء شركات جديدة في الولايات المتحدة بزيادة 24 في المئة بالمقارنة مع عام 2019. وتخلّفت أوروبا عن الولايات المتحدة في ذلك المقياس، إذ ظل إنشاء الشركات الجديدة ثابتاً تقريباً عام 2020 في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وتراجع بأكثر من 15 في المئة في إيطاليا وإسبانيا. من جهة أخرى، إذا استمرت الزيادة الأميركية في ديناميكية الأعمال، ينبغي لها أن تسهم في مزيد من نمو الإنتاجية.
في مسار موازٍ، لا يشكّل الاستثمار والابتكار وتبنّي التكنولوجيا سوى نصف الدورة الحميدة في نمو الإنتاجية. ويتمثّل النصف الآخر في الطلب على المنتج الذي يتأتى بشكل موسع عن ذلك بعبارة أخرى، يجب أن يتدفق نمو الدخل من زيادة الإنتاجية إلى الأشخاص الذين سينفقون تلك الأموال الإضافية. وفي الأجل القريب، تبدو توقعات الطلب جيدة، خصوصاً في البلدان التي أحرزت تقدماً نحو تطعيم سكانها، فبات في وسعها أن تكون من بين أوائل البلدان التي تفتح اقتصاداتها. ومن المحتمل أن ينطلق في دفعة واحدة كل ذلك الطلب المكبوت والمدخرات اللذين تأتّيا من الجائحة، ما يؤدي إلى انتعاش أولي قوي في الطلب يقوده المستهلكون. وفي الولايات المتحدة، يجب أن يدفع مشروع القانون الذي يطرحه الرئيس جو بايدن، ويتعلق بدعم الاقتصاد بمبلغ 1.9 تريليون دولار، الطلب صعوداً.
وفي الأجل المتوسط، تبدو توقعات الطلب قوية نسبياً أيضاً، على الرغم من أنها ستعتمد على حجم الإنفاق الحكومي وانتشاره وطول أجله. ففي الولايات المتحدة، يضع بايدن نصب عينيه الآن حزمة كبيرة مخصصة للبنية التحتية. ومع نقل إدارته تركيزها من الإغاثة الاقتصادية إلى الاستثمار في المجالات الإنتاجية، ربما يزيد أيضاً نمو الإنتاجية من خلال زيادة الطلب كي يغدو متناسباً مع العرض المحتمل، إضافة إلى إنشاء اقتصاد عالي الضغط بمعنى كونه اقتصاداً منخفض البطالة ومرتفع النمو.
من جهة أخرى، تبدو التوقعات في أوروبا القارية حيث يصعب تنسيق الدعم الاقتصادي الحكومي على نطاق واسع، أقل يقيناً. وعلى الرغم من ذلك، وضع الاتحاد الأوروبي خطة غير مسبوقة بلغ مجموعها حوالى 900 مليار دولار بهدف تعزيز الاستثمار في التحولات الرقمية [في مجال الأعمال] والخضراء في مجال الطاقة.
واستدراكاً، يُرجّح أن يكون الإنفاق الحكومي على ذلك النطاق محدوداً من الناحية الزمنية، الأمر الذي يجعل التوقعات البعيدة الأجل في مجال الطلب أقل وردية. وإضافة إلى ذلك، فمن شأن المشكلات التي طال إهمالها، بما في ذلك انخفاض الحصة من دخل الشركات التي تذهب إلى العاملين وتزايد التفاوت والانخفاض البعيد الأجل في الاستثمار الخاص، [من شأنها] أن تؤدي إلى انخفاض الطلب. بالتالي، ستنجم نسبة تلامس الـ60 في المئة من مكاسب الإنتاجية في مرحلة ما بعد الجائحة التي نقدّر أنها ربما تأتي من الابتكارات وإعادة الهيكلة المؤسساتية، أي ما يساوي نقطة مئوية واحدة من التسارع سنوياً من الآن وحتى 2024، (ستنجم) عن تدابير على مستوى الشركات، على غرار الأتمتة، تكون مصممة لخفض تكاليف العمالة وتكاليف الأعمال الأخرى. وما لم تبذل الشركات مزيداً من الجهد في زيادة حجم إنتاجها أو قيمته ومساعدة العاملين على التحوّل [التكنولوجي] من خلال اكتساب مهارات جديدة، سيغدو السعي إلى الكفاءة كأنه خوض مخاطرة قوامها توليد مكاسب في الإنتاجية من خلال حلقة مفرغة، بدلاً من حلقة حميدة، ما يقوّض الأجور وفرص العمل، ويضعف الطلب والاستثمار المدفوعين بالاستهلاك.
عصر جديد من الديناميكية؟
ما الذي يمكن أن تفعله الشركات والحكومات للاستفادة من التوقعات الإيجابية في الأجلين القريب والمتوسط على صعيد الإنتاجية، وكذلك تحسين تلك التوقعات في الأجل البعيد؟ في البداية، ينبغي لها أن تعمل على تسريع تبنّي التكنولوجيا والابتكار الإداري، ما يساعد على انتشار تلك التغييرات داخل القطاعات وبين بعضها بعضاً. ومع بدء التعافي، يتعيّن على الشركات التي ركّزت حتى وقت قريب على إدارة الأزمات والاستمرار، أن تحذو حذو الشركات الكبرى من خلال الاستثمار في التكنولوجيا وإعادة التنظيم. وكذلك تستطيع "الشركات السوبر ستار" أن تساعد في تلك العملية من خلال دعم منظوماتها البيئية الأوسع نطاقاً، خصوصاً من خلال التعامل مع الشركات الصغيرة التي تقدّم منتجات وخدمات تكميلية. وتستطيع الحكومات أن تدعم العملية أيضاً عبر الاستثمار في البحث والتطوير.
وينبغي أن يسعى واضعو السياسات أيضاً إلى تعزيز المنافسة وديناميكية الأعمال. ففي اقتصاد سليم، تزدهر الشركات التي تضيف أكبر قيمة وتنمو، في حين تتقلص الشركات التي تضيف أقل قيمة أو تختفي. وتُسمّى تلك الآلية "التدمير الخلّاق". وبوسع واضعي السياسات أن ينعشوا عملية الفرز الطبيعية تلك ويعززوها من خلال مراجعة قواعد المنافسة وإجراءات الإفلاس وتنظيمات المنتجات وسوق العمل.
وينبغي على الحكومات والشركات أيضاً أن تهدف إلى تعزيز الطلب وتشجيع استثمار المؤسسات، ما يشكّل النصف الآخر من الدورة الحميدة للإنتاجية. فمع التوقف التدريجي للإنفاق الحكومي، يتعيّن على الشركات أن تؤدي دورها من خلال تكوين نمو واسع النطاق في العوائد مع إيجاد أوجه نشاطات كفوءة في الوقت ذاته. وإضافة إلى ذلك، ينبغي لها أن تنفق أكثر على تحسين مهارات موظفيها، وتساعدهم على الاستفادة القصوى من الابتكارات التكنولوجية والمؤسسية مع الحد أيضاً من عدم المساواة والبطالة. ويمكن للحكومات أن تحفّز تلك الاستثمارات في رأس المال البشري من خلال إعفاءات ضريبية تشجع على إعادة التدريب، ومن خلال إبعاد العبء الضريبي، بعيداً من دخل العمالة وتوجّهه صوب دخل رأس المال.
في نفسٍ متصل، لا يشكّل نمو الإنتاجية كل شيء، خصوصاً أنه يُقاس ويُتوقّع ضمن معطيات لحظة الحاضر. وكذلك لا يلتقط نمو الإنتاجية أبعاداً مهمة في الرفاه الفردي والاجتماعي يمكن تعزيزها في شكل كبير ضمن بيئة ما بعد الجائحة. مثلاً، يمكن لانتشار التكنولوجيات الرقمية أن يعزز أنماط نمو أكثر شمولاً، ويستطيع الطب عن بُعد تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية في الوقت المناسب، إلى ملايين الناس في العالم النامي. كذلك لا تأخذ مقاييس نمو الإنتاجية في الاعتبار بعض العوامل الخارجية السلبية المرتبطة بالابتكارات الحديثة، التي ستتفاقم بمرور الوقت وتؤثر أثراً عميقاً في نوعية حياة الناس.
واستطراداً، لعل الأبرز يأتي من كون الإنتاجية وفق الطريقة التي تُقاس بها حاضراً، لا تأخذ في الاعتبار تغيّر المناخ. وسعياً إلى تخفيف ذلك الخطر في أنحاء العالم كلها، تبرز الحاجة إلى استثمارات كبيرة في التكنولوجيات التي تجعل الطاقة أكثر مراعاة للبيئة وأكثر كفاءة. ومن شأن بعض تلك الاستثمارات أن تزيد نمو الإنتاجية. ومثلاً، لا تقتصر فائدة المركبات الكهربائية على البيئة وحدها، بل إنها تتطلب أيضاً عمالة أقل في إنتاجها، بالتالي ترفع الإنتاجية. وبمقدار ما تستطيع الاستثمارات الكفوءة في استخدام الطاقة، إزاحة الموارد والمواهب بعيداً من مجالات اقتصادية أخرى، حتى لو كانت أعلى إنتاجية، يكون في إمكانها أن تضعف الدورة القصيرة الأجل في نمو الإنتاجية. لكن في الأجل البعيد، سيكون أثرها إيجابياً، لأنها ستمنع حدوث انخفاض كبير في الإنتاجية مستقبلاً، من بين ما تقدر على منعه من نتائج كارثية أخرى. وقد لا يُرصد أبداً عدد تلك المكاسب بواسطة المقاييس المعيارية للإنتاجية، لأن المكاسب ستمثّل [في تلك المقاييس] هبوطاً لم يحدث أبداً. في المقابل، ثمة مكاسب على صعيد الإنتاجية يمكن رصدها في نهاية المطاف، خصوصاً تلك المتعلقة بالبنية التحتية المصممة بهدف مساعدة الاقتصاد على التكيف مع تغيّر المناخ.
وفي الوقت الذي تستعد الحكومات والشركات للخروج من الجائحة، عليها تحقيق التوازن بين الأهداف القريبة والبعيدة الأجل. لكن حتى الآن، ومع استمرار كورونا في إحداث خسائر بشرية واقتصادية، يبدو أن هناك اتجاهاً صاعداً محتملاً آخذاً في الظهور. وبعد أعوام من تباطؤ الإنتاجية والنمو الاقتصادي في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، أثار "كوفيد- 19" موجة من الابتكار التكنولوجي والمؤسساتي. وستعتمد إمكانية أن تؤدي تلك الموجة [الفورة أو الحماسة] إلى عصر جديد من الديناميكية على ما تفعله الحكومات والشركات في الحفاظ على دورة حميدة من الإنتاجية المتزايدة باستمرار.