الثلاثاء 7 كانون الأول 2021

تقارير وتحقيقات

هل لا تزال "الداية" العربية على قيد الحياة فى ظل التطور الطبي الحاصل ؟

 تحقيق     فريق النهارالاخباري  - احند عثمان – شذا عمر – نسرين محمد   

تمتلئ الدراما والأفلام الكلاسيكية بمشاهد "الداية" أو القابلة التي تأمر الزوج بإحضار طبق مياه ساخنة والبقاء خارج غرفة النوم إلى أن يتصاعد صوت بكاء المولود، فتبشّره بأنه صبي يشبهه تماماً أو صبية جميلة مثل والدتها، لكن شاشة الأبيض والأسود ولّت وولّى معها زمن الداية أو القابلة التي كانت أشهر وأقوى وأكثر انتشاراً من مشاهد طبيب النساء والتوليد، وتطور شكل المهنة وأدوات صاحباتها. النهارالاخباربه تكشف عن الوجه الجديد للقابلة أو الداية في المنطقة العربية.
السودان يشهد تقدماً في القابلات القانونيات
يشهد السودان في الأعوام الأخيرة تقدماً ملحوظاً في عمليات الولادة من خلال انتشار المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة في هذا المجال، ونظراً إلى انتشار الوعي وسط مجتمع النساء، ومواكبة القطاع الصحي للتطورات الحديثة في المجال الطبي من ناحية الأجهزة والمعدات الخاصة بالكشف المبكر عبر الموجات الصوتية، وغيرها من الاختراعات الجديدة في طرق التوليد السهلة والمأمونة العواقب. لكن على الرغم من ذلك، ظل دور القابلات القانونيات متسيّداً في عمليات التوليد، بخاصة في المناطق الريفية لعدم وجود مراكز طبية متخصصة.
وبحسب استشاري النساء والتوليد في المستشفيات السودانية الطبيب الأمين عوض قاسم، فإن "القابلات يلعبن دوراً مهماً في كثير من مناطق البلاد، حيث أصبح لديهن إلمام ومعرفة واسعتان بكل ما يتعلق بعملية الولادة، سواء من ناحية وضع الجنين وعملية النبض وقياس الضغط والتعامل باقتدار مع النزيف، الذي غالباً ما يحدث بعد الولادة ووقف خطورته، فضلاً عن القيام بالولادة في الوقت المحدد والمناسب، وإمكانية معرفة وتشخيص الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي بسرعة تحويلها إلى الطبيب المتخصص".
ولفت إلى أن "بلوغ القابلات هذه المكانة يرجع إلى انتشار مراكز التدريب في المستشفيات، وكذلك المدارس الخاصة بهذا المجال، حيث تتخرج سنوياً أعداد كبيرة منهن"، منوهاً أنه "بالنظر إلى أن السودان بلد مترامي الأطراف، فمن الصعب تغطيته بمراكز متخصصة في التوليد، لذلك يتم الاعتماد على القابلات. وبالفعل، استطعن تقليل حالات الوفيات التي كانت تحدث للنساء أثناء الولادة التقليدية، التي تقوم بها نساء يمتهنّها عن طريق الممارسة فقط من دون إلمام بأصول المهنة أكاديمياً، أو من خلال التدريب والتأهيل".
وأوضح قاسم أن "غالبية النساء حالياً لديهن إلمام كامل بمدى الأخطار المحيطة بعمليات الحمل، وحاجتهن الكبيرة للرعاية الصحية والغذائية الجيدة من الحمل حتى الولادة، لذلك بدأن يتجهن إلى مقابلة الأطباء المتخصصين لمتابعة حملهن بدقة لسلامتهن، لكن في أحيان كثيرة يعتمد بعض النساء على القابلات، بخاصة اللائي اكتسبن شهرة وخبرة، بسبب ظروفهن المادية التي تحول دون المتابعة في المستشفيات المتخصصة".
تقول انتصار عبد الرحمن، قابلة تخرجت في إحدى الكليات المتخصصة في العلوم الصحية، ونالت بكالوريوس في القبالة والتمريض، إنها "اتجهت لهذا التخصص برغبة ودافع لإنقاذ حياة كثير من الأمهات والمواليد، لأن لديها تجارب عدة في المنطقة التي تقطنها، حيث توفّيت أمهات بسبب الولادة التقليدية التي تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية والدراية التامة في التعامل مع الظروف الحرجة التي تحدث أثناء الولادة، وبعدها، بخاصة حالات النزيف وغيرها".
وأوضحت أن "القابلة تلعب دوراً مهماً في المجتمع، خصوصاً في المناطق البعيدة من المدن، حيث يفتقر معظمها إلى مراكز ومستشفيات ومتخصصي نساء وتوليد، ما يجعل وجود القابلة التي تتمتع بخبرة أكاديمية وعملية مهماً لإنقاذ حياة كثير من الحوامل"، مؤكدة أن "الدراسة الجامعية أتاحت لها فرصة الجمع بين الخبرتين العلمية والعملية".
وأشارت إلى أن "ما يحدث من تطور في مجال الطب ينعكس بشكل كبير على كل التخصصات وفروعها، ومنها القابلات، إذ يخضعن باستمرار لدورات تدريبية تقدمها وزارة الصحة، وأيضاً المنظمات العاملة في مجال الرعاية الصحية"، مؤكدة أنه "من الصعب التخلي عن دور القابلات في بلادها، نظراً إلى ضعف الإمكانات التي من شأنها إيجاد مستشفيات متخصصة، فضلاً عن ارتفاع نسب الولادة في المجتمع السوداني، ما يجعل الحاجة للقابلة كبيراً".
وكان معظم مناطق السودان (خارج المدن الرئيسة) حتى بداية تسعينيات القرن العشرين، يعتمد على الولادة التقليدية التي يُطلق عليها "ولادة الحبل" نسبة إلى استخدامها الحبل في عملية التوليد، وتقوم بها نساء ظللن يمارسن هذه المهنة عن طريق التوريث.
وبقيت القابلة التقليدية تلعب في المجتمعات النائية بالبلاد حتى وقت قريب دوراً أساسياً في التوليد، متنقلةً بين حامل وأخرى، لرعايتهن أثناء الحمل والولادة، بل تُعدّ أهم شخصية في مجتمع المتزوجات، اللواتي يطلبن استشارتها في كل أمورهن الخاصة.
وترى مديرة البرنامج القومي للصحة الإنجابية في وزارة الصحة السودانية مشتهى نور أن "بقاء واستمرارية ولادة الحبل في السودان، التي تنتشر حالياً في بعض المناطق النائية، ترتبط بتعاقب الأجيال وتوفير قابلة قانونية مؤهلة لكل قرية، وهي جهود ظلت تتواصل منذ عام 1918، عندما كانت مس وولف البريطانية تتنقل على ظهر حمار بين قرى السودان، بحثاً عن فتيات يعملن في مجال التوليد والتمريض".
وتشير إفادات عدد من القابلات القانونيات إلى أن محاربة ولادة الحبل تحتاج إلى وقفات حقيقية تحدّ من انتشارها، فضلاً عن الاهتمام بالتدريب وزيادة الحد الأدنى للأجور حتى تقوم القابلة بواجبها في التوعية والتثقيف والتوليد، وكذلك الإخلاص والتفاني في عملها بكل تجرد.
القابلة مهنة متجددة في ظروف متراجعة بالعراق
وفي العراق كما في غيره من الدول، أصبح من السهل تحديد موعد استقبال الضيف الجديد في العائلة، وتخطط المرأة طيلة أشهر الحمل على جميع الصعد لإتمام سلامة الإنجاب. وفي شهر الولادة، يتحتم عليها الإعداد لهذا اليوم بكل تفاصيله. ومن أولويات المرأة الحامل اختيار الطبيب الجيد الذي يتابع الحالة الصحية لها ولجنينها خلال فترة الحمل، كما يلعب دوراً مهماً في تحسين حالتها النفسية ويشعرها بالثقة والأمان.
القابلة المأذونة
"الجدة" كما كانت تُسمّى باللهجة العراقية، صاحبة فضل كبير على أبناء المنطقة التي تقطن فيها ويعرفها الصغير والكبير ويكنّون لها كل التقدير، ولم تكُن الواحدة منهن تبخل بوقتها أو بجهدها في متابعة النساء الحوامل والإشراف على ولادتهن من دون كلل وتمنح كل خبرتها لخدمة النساء.
 وتُعدّ مهنة القابلة المأذونة من المهن الاستثمارية التي تدرّ أرباحاً وفيرة على صاحبتها. وفي السابق، كانت القابلة المأذونة تعمل بشكل مستقل عن القطاع الحكومي، إذ يقتصر عملها داخل منزلها في غرف مجهزة بالأدوات الممكنة المستخدمة في عملية الولادة، أو من خلال التوجه إلى منازل السيدات اللاتي يوشكن على الولادة، بينما شهدت هذه المهنة اليوم أسلوباً آخر، فأصبح الدمج بين العمل الحكومي والقطاع الخاص من ضرورات المهنة، لأن معظم النساء في الوقت الحاضر يتجهن للولادة في المستشفيات، تحسباً لحصول أمر طارئ معين.
تقول القابلة أم علياء 62 سنة إن "مهنة القابلة المأذونة أوشكت على الانقراض في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بسبب التطور الكبير الذي شهده القطاع الصحي بالبلاد. وفي ظروف الحصار الذي عانى منه الشعب العراقي في مرحلة التسعينيات، شهد القطاع انتكاسة كبيرة بسبب نقص المعدات وعدم تأهيل المراكز الصحية والمشافي، فرجعت المهنة من جديد، خصوصاً مع قلة تكاليف القابلة قياساً بالمستشفى".
تضيف، "أما في الظروف الأمنية التي مرّ بها العراق بعد 2003 وأعمال النهب التي طاولت المشافي والمراكز الصحية، ازداد عمل القابلات أضعافاً مضاعفة، وأصبحن غير قادرات على إيجاد متسع من الراحة"، وتشير إلى أن "نساء كثيرات يطلبن مشورتها مع إشراف طبيباتهن المتخصصات".
وتكثر القابلات في الأحياء الشعبية الفقيرة، ويدل ذلك على الحاجة المتزايدة لوجودهن. ومن القابلات من تزيد خبراتهن من خلال الدورات المتخصصة في علاج الحروق والجروح وكل ما يتعلق بالإسعافات الأولية، ويزداد عملهن بازدياد الثقة الممنوحة لهن من قبل أبناء المنطقة.
وتعتمد عملية التوليد في المستشفيات الحكومية بشكل رئيس على القابلة المأذونة لتعذّر وجود الطبيبة إلا في حالات الطوارئ. هذا الموضوع شكّل منفذاً جديداً لتجارة مدرّة للأرباح، وبسبب الجشع وانعدام الضمير المهني، والتردي الواضح في الوضع الرقابي، إضافة إلى ضعف التجهيزات الطبية في المستشفيات الحكومية تحديداً، استغلّ عدد من القابلات المأذونات  الوضع الحرج، وزاد الغلاء الفاحش لأجور الولادة في المستشفيات الأهلية الأمر رواجاً.
وعلى خلفية الموضوع، ترجع سمر (39 سنة)، أسباب لجوء عدد كبير من النساء إلى المستشفى الحكومي للولادة لـ"وجود اتفاق مسبق بعيداً من أنظار الرقابة مع قابلة مأذونة محددة تعمل في المستشفى ذاته، للحضور والإشراف شخصياً على عملية الولادة، مستغلين بذلك مهارة القابلة ومعدات وغرف المستشفى الحكومي".
توضح أن "الحامل تختار ما بين الولادة في منزل القابلة الذي توجد فيه غرفة مجهزة كاملة، أو الولادة في المستشفى بحسب ما ترغب به، وفق مبلغ معين قد يصل إلى 400 دولار أقل أو أكثر بحسب العرض وبحسب سمعة ومهارة القابلة، ويتضمن الاتفاق شروطاً معينة، ولا تقتصر هذه الظاهرة على بعض المناطق، بل تمتد لتشمل مراكز المدن".
 وتذكر سمية تجربة تقول إنها شهدتها شخصياً ذات مرة لدى مرافقة قريبة لها إلى أحد المستشفيات الحكومية، إذ "كانت تنوي الولادة في الجناح الخاص للمستشفى الحكومي، وتضمن الاتفاق بينها والمأذونة أموراً عدة، منها نوع المطهرات المستخدمة وأنواع الخيوط الطبية الخاصة وتوفير إبر النزف إذا حصل طارئ".
أذونات" "السوشال ميديا"
ويمتلك بعض القابلات المأذونات صفحات على منصات التواصل الاجتماعي، تتواصل عبرها مع النساء لحجز المواعيد والاتفاق على أدق التفاصيل التي ترافق عملية الإنجاب. وتبحث النساء الحوامل بين صفحات التواصل من أجل اختيار القابلة المأذونة الأكثر شهرة والأفضل خبرة.
وتعمد القابلة أم أحمد، على "تصوير فيديوهات للأطفال الذين ساعدت في إنجابهم، وفي فيديو مباشر توجه حديثها إلى المشاهدات لتستعرض مهاراتها وقابلياتها الفريدة التي لا تضاهيها قابلة أخرى". وتؤكد المتابعات، أن "القابلة أم أحمد أفضل من المستشفى."
وتحدثت سجى (32 سنة) عن تجربتها، قائلة "أنجبت بشكل طبيعي داخل المستشفى الأهلي، لأنني كنت أرفض فكرة العملية القيصرية، ولأنني دخلت المستشفى، فقد اعتنوا بي بشكل ممتاز وراعوا حالتي النفسية أثناء عملية الإنجاب وما بعدها"، مضيفة، "الحالة المادية الجيدة تسهم في تأمين ولادة طبيعية، على المرأة المتمكنة مادياً أن تتوجه إلى المستشفى لضمان الاعتناء بها وعدم إجراء عملية قيصرية. والإنجاب في معظم المستشفيات الحكومية دونه تحديات كثيرة مثل نقص الخدمات أو الإهمال المتعمد للحامل المؤهلة للإنجاب لإجبارها على الخضوع لعملية قيصرية بسبب تفشي الفساد والرشاوى، أما بالنسبة إلى القابلة المأذونة، فلا أستطيع إبداء رأيي بها وكيفية تعاملها مع النساء أثناء عملية الإنجاب".
أما لمياء، (24 سنة)، فقد خططت منذ بداية حملها أن تذهب إلى المستشفى (الحكومي) كي تضع طفلها بشكل طبيعي كما حدث بالنسبة إلى ولادتها السابقة، لكن مجيء الطفل مبكراً، منعها من ذلك، فاضطرت إلى الاستعانة بأقرب قابلة في المنطقة.
ممارسة مهنة القبالة
وكانت وزارة الصحة العراقية حددت شروط وتعليمات منح إجازة ممارسة مهنة القبالة، فاشترطت أن تكون حاصلة على شهادة جامعية أولية في التمريض أو شهادة معترف بها لا تقلّ مدة الدراسة فيها عن عامين، أو أن تكون خريجة إعدادية التمريض، أو يشترط أن تكون خريجة معهد الصحة العالي - قسم القبالة والتوليد، أو إعدادية القبالة والتوليد، أو حاصلة على شهادة جامعية أولية في التمريض من جامعة معترف بها، وبعد اجتيازها دورة تدريبية لمدة ستة أشهر بموافقة وزارة الصحة.
ويمكن للقابلة الانتماء إلى نقابة الممرضات بعد أن تجتاز دورة في القبالة لمدة عام واحدة، وقبل ممارسة المهنة، عليها الخضوع لإجراء الفحوصات اللازمة وتأكيد خلوّها من الأمراض.
حوادث بيع الأطفال
وتزايدت أخيراً حالات الخطف والمتاجرة بالأعضاء البشرية، ورافقت ذلك الخشية من سرقة الأطفال في المستشفيات، وحدث أن أُلقي القبض على قابلة مأذونة، اتُّهمت بـ"بيع الأطفال" حديثي الولادة بالاتفاق مع أولياء أمورهم مقابل مبالغ مالية. وذكرت مصادر في الشرطة، بحسب اعترافات أحد الشهود، أن سعر الذكر يبلغ 12 مليون دينار، (نحو تسعة آلاف دولار)، وسعر الأنثى ستة ملايين دينار (نحو أربعة آلاف دولار)، وتم إلقاء القبض على القابلة بعد تكليف عنصر نسوي بحجة الاتفاق معها لغرض شراء طفل. يُشار إلى أن هذه القابلة "ترتكب جرائمها بالتعاون مع ابنتها التي تبرم الاتفاقيات"، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المرأة ووالدتها.
وفي حادثة أخرى، أُلقي القبض على قابلة مأذونة تبيع الأطفال غير الشرعيين وتبالغ في سعر عملية الولادة.
وقرر مجلس الوزراء العراقي في 15 مايو (أيار) 2012، تشكيل لجنة مركزية لتنفيذ قانون مكافحة الإتجار بالبشر رقم 28 لعام 2012 برئاسة وزير الداخلية، وخصصت السلطة القضائية الاتحادية قضاة لمحاكم الاستئناف يتولّون تلقي الشكاوى حول أي خرق بأحكام قانون مكافحة الإتجار بالبشر.
وبلغ عدد القابلات المجازات في البلاد 472 قابلة بحسب مفوضية حقوق الإنسان، يرتبطن بشعبة القبالة والتوليد في وزارة الصحة العراقية بشكل مباشر، كما بلغ عدد القابلات غير المجازات 862 قابلة، تحت إشراف دائرة الصحة العامة. أما "الجدات"، فموجودات في الأقضية والنواحي، ويحمل بعضهن شهادة البكالوريوس، فيما بينهنّ أمّيات.
ولا يُسمح للقابلة استقبال مجموعة من الحالات بسبب خطورتها، وإذا حصل ذلك تتم محاسبتها، إما بسحب الإجازة أو بعقوبات أخرى ينص عليها القانون.
ويشير الجهاز المركزي للإحصاء في تقديراته لعدد العراقيين بحسب ما ورد عام 2020 إلى أنه بلغ 40150174 نسمة، أما في عام 2021، فقد بلغ العدد 41190658 أي بزيادة تقرب من مليون أو يزيد خلال العام الواحد. ووثّقت مصادر صحافية تسجيل العراق مليون و250 ألف ولادة حية عام 2020.
القابلات القانونيات يحظين بثقة الحوامل في المغرب
في المغرب، لا يزال للقابلات دور مهم في عملية الإنجاب، إذ تعتمد عليهن المستشفيات العمومية والخاصة في متابعة الحمل والوقوف على عملية الوضع. وتزداد تلك الأهمية في الأحياء الفقيرة بالمدن والقرى والأرياف التي ما زالت تعتمد في جانب منها على القابلات التقليديات.
تقول رشيدة، التي تقطن في أحد أرياف مدينة الدار البيضاء، إنها "بعد تجربة ولادة طفلين لها في المستشفى، اختارت ولادة ابنتها الأخيرة في المنزل على يد قابلة"، مؤكدة أن "العملية تمت بشكل جيد ومن دون عوائق أو مشكلات، نظراً إلى احترافية القابلة، وأن عدداً من الحوامل في منطقتها ممن يفضّلن تجربة الولادة في البيت نظراً إلى الاستقرار النفسي الذي تضمنه، إلى جانب توفير المصاريف المالية التي تتطلبها المستشفيات، إضافة إلى تفادي الانتقال للمستشفيات التي تكون بعيدة جداً من مناطق الأرياف". 
وتقول القابلة أم زهرة، التي تعمل في ضواحي مدينة الدار البيضاء، "جرت العادة منذ القدم على الاعتماد في عملية الإنجاب على القابلات التقليديات، وظلت تلك العادة إلى الآن بشكل جزئي في ضواحي المدن والبوادي"، موضحة، "أنهن ما زلن يضطلعن بدور مهم في عمليات الولادة بالأرياف والمناطق النائية التي يصعب فيها نقل المرأة الحامل إلى المستشفى، خصوصاً أن العقليات هناك لا تزال محافظة جداً، وتفضل أن تكشف على المرأة الحامل القابلة، التي تكون معروفة وتحظى بثقة سكان القرية، تفادياً لأن يكشف عليها طبيب رجل في المستشفى".
لكن أم آية، الموظفة في القطاع الخاص تفضّل الولادة بالمستشفى، في ظل وجود احتمال تعقيدات عملية الوضع، التي يمكن معالجتها بشكل فوري هناك، إضافة إلى احترام تلك المؤسسات الصحية للتدابير الوقائية، لا سيما خلال فترة الجائحة"، موضحة أن "نساء الطبقة المتوسطة يتبنّين التوجه ذاته ويفضلن التوجه إلى مستشفيات القطاع الخاص التي تقدّم رعاية وعناية فائقتين، وتحترم التدابير الصحية بشكل كبير". 
تطور التكوين
عمل المغرب منذ أعوام على تكوين مهنيّي الصحة بمن فيهم القابلات، في إطار سياسة التخفيض من وفيات الأمهات والمواليد وبحسب نتائج البحث الوطني حول السكان وصحة الأسرة التي قامت به وزارة الصحة المغربية خلال عام 2018، فقد انخفض معدل وفيات الأمهات الحوامل من 112 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية خلال عامي 2015-2016، إلى 72.6 حالة عامي 2009-2010، بانخفاض بلغ 35 في المئة، كما عرف مؤشر مراقبة الحمل ارتفاعاً ملحوظاً، إذ انتقل من 77.1 في المئة عام 2011 إلى 88.5 في المئة عام 2018. وشهدت نسبة الولادة داخل المصالح الصحية ارتفاعاً بلغ 86.6 في المئة عام 2018 مقابل 73.6 في المئة عام 2011. واستمر انخفاض نسبة وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 30.5 في المئة عام 2011 إلى 22.2 في المئة لكل ألف ولادة عام 2018، بنسبة انخفاض بلغت 27 في المئة، مع توقع خفض نسبة الوفيات لـ12 حالة وفاة لكل 1000 ولادة عام 2030.
من جانبها، تعلن رئيسة الجمعية الوطنية للقابلات في المغرب، رشيدة فاضل، "أن الإحصاءات العالمية تشير إلى أن نسبة الحوامل اللواتي يعانين تعقيدات الوضع لا تتجاوز 15 في المئة فقط، بالتالي فإن نسبة 85 في المئة هي عمليات وضع يسيرة يمكن للقابلات الإشراف عليها، خصوصاً أنه تم تجهيزهن بطريقة علمية، وهن حاصلات على الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه في المجال".
وأكدت، "أن القابلات المجهزات العاملات في العيادات الخاصة أو في دور الولادة يعلمن جيداً بتقنيات الولادة، ويعين مؤشرات وجود تعقيدات الوضع، بالتالي في حال وجودها يقمن بإحالة المرأة الحامل إلى أطباء مختصين أو إلى المستشفيات".
تجربة دور الولادة
وتفادياً للمعاناة التي تختبرها غالبية الحوامل في البوادي والمناطق النائية التي تخلو من وجود مستشفيات، شرع المغرب منذ سنوات في إنشاء دور الولادة التي تضطلع بمهام متابعة الحمل وتأطير الحوامل، إضافة إلى الإشراف على عملية الوضع. وتشير القابلة فرح جمال، التي تدير دار ولادة في مدينة تمارة (القريبة من العاصمة الرباط) إلى "طفرة في إنشاء دور الولادة بالمغرب نظراً لتزايد الاهتمام بتلك المؤسسات"، موضحة "أنها تمنح رعاية جيدة للحوامل، باعتبار أن أغلبهن يفضلن خدمات القابلات على التوجه إلى المستشفيات، التي قد تتطلب مبالغ طائلة". في المقابل، تدعو فرح جمال إلى "ضرورة العمل على زيادة تقنين المجال، وإلى إنشاء هيئة القابلات بهدف الدفاع عن مصالح تلك المهنة وحماية مهنييها".
"الداية" السورية تعود بثوب عصري إلى مخيمات النزوح
أما في سوريا، فقد شكلت القابلة القانونية أو ما يطلق عليها العامة وصف "الداية" قبل عقود من الزمن الحلقة الأهم في عمليات الولادة، إلى أن وصل التطور العلمي والطبي وأنشئت المستشفيات، ودخلت الطبيبات أو الأطباء من أصحاب الاختصاص العلمي سوق العمل. حينها تراجع دور القابلات تدريجياً وعزفن طوعاً أو من دون رغبة عن عملهن، بالتالي تناقص أعدادهن لصالح عيادات ومستشفيات التوليد النسائية المجهزة بالمعدات اللازمة للعمليات المعقدة والطارئة.
وقد شكل الريف السوري، لا سيما القرى النائية منه، التي لا تخضع إلى المستوى الخدماتي المطلوب، آخر ملاجئ هذه المهنة المتجهة نحو الاندثار. والبحث عن إحدى القابلات للقاء بها في المدينة أمر ليس باليسير، فقد خرج القسم الأكبر منهن إلى التقاعد منذ عقود، وبات عملهن مقيداً بالعيادات الطبية المتناثرة.
سمعة حسنة
لكن القابلة كما أطلقت على نفسها "أم عبدو" البالغة من العمر 50 سنة، تروي لنا تفاصيل مهنة توارثتها عن أمها وجدتها الداية. وعلى الرغم من توقفها عن العمل، فهي ترى نفسها "المسعفة" أو "المنقذة" في الأوقات الصعبة لتمتعها بـ"خبرة تنافس بها الأطباء الجدد"، إلا أنها "تقدر اندفاع الناس وانصرافهم عن القابلات القانونيات، فالأمان الذي يحظين به الحوامل في غرفة العمليات مع توافر كل المستلزمات الإسعافية اللازمة، دفعت بطبيعة الحال بالاتجاه نحو الولادة في المستشفيات".
وعلى الرغم من ذلك، ما زالت القابلة القانونية تحتفظ بسمعتها الحسنة وتنال ثقة وحظوة بين النسوة في الأحياء الشعبية في المدن. ولعل الدراما السورية ما فتئت ترسخ صورتها بشكل أساس وواسع في أعمالها، إذ لا يخلو مسلسل درامي يحكي عن البيئة الشامية من ظهور للقابلة القانونية "الداية"، والتي تتنقل بين "الدور العربية" الشقق السكنية المتلاصقة. فهي في واقع الحال كانت تلعب دوراً اجتماعياً كخطّابة وعرافة، إضافة إلى عملها الأساس منذ أن تكشف عن المرأة الحامل وتبقى تراقب حملها إلى حين ولادتها.
صحيح أن هذا التطور والتقدم العلميين قد أطلقا رصاصة الرحمة على عمل القابلات القانونيات، لكن فؤاد عشي، طبيب نسائي وأخصائي توليد، أشاد بقدراتهن وخبرتهن، لكن في الوقت ذاته يعتقد بضرورة إخضاع هؤلاء لدورات وإكسابهن الخبرة والتدريبات لبقاء هذه المهنة والحفاظ عليها، وقال "الأدوية ومراقبة الحمل ضمن وسائل طبية حديثة، أجهزت على عمل القابلة في النهاية".
كلية "القبالة"
لكن في المقابل، يرى العشي أنه على عكس ذلك فقد انتعش عمل "القابلة" في الحرب مع هجرة واسعة للأطباء، ودمار المستشفيات والمراكز الصحية علاوة على فقدان الأدوية وغلاء الولادة في المستشفيات الخاصة.
وإزاء ذلك، يعود دور الداية مجدداً في ثوب عصري على وقع ضربات الحرب مثلما يحدث في مدينة إدلب شمال سوريا، في ظل تدني مستوى الصحة الإنجابية للنساء والفتيات المحاصرات في البلاد، بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان في شمال غربي سوريا، إذ قدرت التقارير الأممية "وجود 960 ألف نازح 80 في المئة منهم نساء وأطفال وحوالى 25 ألفاً من النساء حوامل".
الواقع المظلم لتلك النساء الحوامل في مخيمات النزوح أعادت للداية مكانتها على الرغم من انتشار النقاط الطبية في بعض من المخيمات. ولهذا الغرض أنشئت في إدلب كلية "القبالة" وخرجت الدفعة الأولى من طلبتها بالتعاون مع هيئة الإغاثة الإنسانية التركية، 40 طالبة تلقين تحصيلهن العلمي على مدار أربع سنوات.
وهكذا كانت هذه المهنة الإنسانية بكل ما تحمله صاحباتها من خبرة طبية، في طريقها للاندثار في كبرى المدن السورية، لكنها عادت إلى الواجهة في مخيمات النزوح ومناطق تعاني النزاع المسلح الذي قاسته البلاد طوال عقد من الزمن.
القابلات في اليمن بين البقاء والانحسار
أفادت وكيلة وزارة الصحة والسكان اليمنية إشراق السباعي أن الجدات، القابلات، التقليديات في اليمن، بدأن في الانقراض خلال العقدين الماضيين، بعد تأهيل نظيراتهن القانونيات في المجتمع وإحلالهن محلهن.
 ولفتت السباعي إلى "أن عملية تأهيل واسعة شهدها اليمن خلال السنوات الأخيرة، قام بها معهد أمين ناشر للعلوم الصحية في عدن، أدت إلى إحلال قابلات مؤهلات في المؤسسات الصحية العامة والخاصة". وأضافت، "هناك قابلات قانونيات في المستشفيات والمراكز الصحية يلعبن دوراً كبيراً في تغطية الولادات والتوعية والتحصين والتغذية، إضافة إلى مجابهة (كوفيد-19)، فكان لهن دور مشهود في التصدي للجائحة".
وتابعت، "كانت البلاد إلى منتصف التسعينيات تعتمد بشكل كبير على القابلات الجدات، لا سيما في المحافظات الريفية، ولكن الأمر تغير بعد حلول الألفية الثانية، ففي المحافظات المركزية يكاد اليوم دور قابلات الجدات منته، أما المحافظات الريفية ونظراً إلى قلة الكوادر الطبية وعدم التأهيل، ما زالت مناطقها تعتمد عليهن".
 وكشفت وكيلة وزارة الصحة عن خطة تسعى الوزارة إلى تنفيذها، تتمثل في تعزيز دور القابلات المجتمعيات من خلال عملية تأهيل واسعة للقابلات في كل القرى وأطراف المدن، حتى يستطعن تقديم خدمة طبية جيدة وفق معايير علمية، ويكون لهن دور كبير لتقديم خدمات رعاية الأم الحامل.
 عوامل متداخلة
يرى مستشار مكتب الصحة والسكان بمحافظة شبوة ناصر البعسي "أن القابلة هي ممرضة في الأساس، مع تميزها بتدريب متخصص على العمل والتسليم". ويشير إلى "أن مهنة القابلة كانت نتاج تطور عوامل متداخلة في منظومة الخدمات الصحية والطبية، ما بين مهنة المرشدة والممرضة والمرضعة، وتتميز عنهن في مشاركتها في حالات المخاض والولادة إلى جانب الطبيب، إذ إن التوليد مهنة الطبيب وليس القابلة، ولكننا نلمس أحيانا حالات من تطاول القابلات على عمل الطبيب، وفي المقابل نلمس عزوف كثير منهن عن ممارسة مهنة التمريض في عنابر الولادة". 
 ويسهب البعسي في الحديث عن  تطور مهنة القابلة والرعاية الصحية في محافظة شبوة بالقول، "عرفت  شبوة القبالة الذكورية عام 1946، وكانت تعتمد على الرعاية والإحالة من خلال الإخلاء الطبي بالطيران للولادات المتعسرة إلى مستشفى الولادة الإكلينيكي الكائن في مدينة عدن، وفي أواخر الستينيات كانت تقدم الخدمة من خلال ثلاث قابلات مبتعثات من عدن للعمل في ثلاثة من مستشفيات المحافظة، إلى جانب طبيب يمثل الضابط الطبي لكل سكان المنطقة التي يخدمها المستشفى، واستمرت القبالة الذكورية تقدم خدماتها الطرفية والإشراف على عمل الدايات الشعبيات".
 وأوضح "نظراً إلى عدم وجود مخرجات لتعليم الفتاة، استطاع القطاع الصحي في شبوة الاستفادة من زخم الانتفاضات الشعبية في سبعينيات القرن الماضي، من دعوات تحرير المرأة وخلع الشياذر، في استقطاب عدد من منتسبات مجمع تنمية المرأة وتدريبهن في مستشفيات المحافظة، ومن ثم ابتعاثهن للدراسة في معهد تطوير الأيادي الصحية العاملة بالعاصمة عدن، فكنا نتوق إلى 17 قابلة بمعدل قابلة لكل مديرية إدارية، وأضحى العدد اليوم يفوق الـ 1000 وتجاوزنا النسبة النمطية، فاليوم قابلتان لكل طبيب إلى ثلاث قابلات".
التفكير السائد
وقالت الطبيبة راوية الحامدي، "إن مهنة القابلات الشعبيات مازالت موجودة في محافظة حضرموت ويعملن من المنازل، على الرغم من التطور الذي طرأ على المرافق الصحية العامة والخاصة في المحافظة". وأشارت إلى "أن التفكير السائد في المجتمع عند بعض الرجال جعلهم يفضلون أن تلد المرأة في البيت عوضاً من المستشفى، ولا يحبون الكشف عن زوجاتهم إلا عبر القابلة الشعبية".
وتحذر الحامدي من مضاعفات عمليات الولادة في المنازل ووفاة بعض الحالات داخل البيوت، بسبب الولادة المتعسرة أو وجود أمراض مثل السكري والضغط أثناء فترة الحمل، وتنصح بأنه "إذا كان ولابد من القابلات الشعبيات، فيفضل أن تفتح القابلة عيادة طبية صغيرة للتوليد، تكون تحت إشراف كادر طبي كامل، خصوصاً للأمهات المصابات بتسمم وسكري الحمل".
ولفتت إلى "انفتاح واهتمام المعاهد الصحية والمؤسسات والمنظمات المحلية والدولية بتأهيل القابلات أدى إلى إقبال كبير على تخصصات القبالة، فحتى في وديان وأرياف حضرموت هناك إقبال على دعم وتأهيل الدايات الموجودات، لا سيما في المناطق الأكثر عمقاً في الريف".
"الداية" تندثر في مصر
شيوع الولادات المنزلية على يد "الداية" (المشتقة من المداواة أي العلاج) في مصر اندثر بشكل شبه تام. جيل الجدات ممن تعدت أعمارهن سن الـ80 يتذكرن "أم حسين" و"أم عوض" و"أم إبراهيم" وجميع الأمهات حاملات لقب "داية".
عادات وتقاليد سادت على مدار مئات وربما آلاف السنين جعلت من مهنة "الداية" قديمة قدم التاريخ. مخطوطات مصرية قديمة ونقوش على المعابد تظهر لحظات ولادة حيث المرأة جالسة القرفصاء ويدعمها إلهان لحمايتها والمولود.
الطبيب والباحث في تاريخ مصر القديمة وسيم السيسي يؤكد في كتابه "فن الولادة في مصر القديمة"، "أن المستشفى الأول لرعاية المرأة الحامل لم تكن في فرنسا أو بريطانيا أو أميركا، بل كانت في مصر القديمة قبل أربعة آلاف عام". يقول، "نعم بنينا هذه المستشفيات التخصصية كما كنا نبني تكعيبة النفاس "ماميزي" في حديقة منزل الوالدة أو فوق سطوحها لعزلها خوفاً عليها من حمى النفاس لمدة أسبوعين".
داية مصر القديمة
وفي مصر القديمة، كانت الولادات تتم على أيدي نساء من الأهل أو الجارات أو الخادمات المقيمات في البيت. واعتنقت مصر مبدأ توليد النساء على أيادي نساء أكبر سناً ذوات خبرة على مدار قرون حتى أصبحت هناك مهنة "الداية" أو القابلة. في كل حي في المدينة، وكذلك في القرى، كانت هناك داية أو اثنتان أو أكثر. كن معروفات لكل بيت.
تقول إنعام السيد (88 عاماً) وتتذكر "الداية" جيداً، "لم ألد على يد داية، بل ولادات شقيقاتي الأكبر كلها حدثت على أيادي واحدة مازلت أذكر اسمها (أم إبراهيم). أما أنا فقد ولدت أبنائي الثلاثة في مستشفى عريق في حي حدائق القبة (شرق القاهرة)". تضيف، "ورغم أن الداية يفترض ارتباطها بلحظات الفرح وخروج مولود جديد إلى الحياة، لكنها أيضاً ارتبطت بلحظات حزن حيث العديد من وفيات الأمهات أثناء الولادة، لا سيما الولادات الصعبة، أو لحدوث خطأ ما أبرزها العدوى لعدم ضمان التطهير والتعقيم، بالإضافة إلى عمليات الإجهاض غير القانوني غالباً لحفظ سمعة الفتاة أو لرغبة الأم في إنهاء حمل غير مرغوب فيها، ناهيك عن رعب الختان".
رعب الصراخ
ما لا يقال كثيراً هو أن "الداية" ترتبط برعب صراخ الأم من شدة الألم وارتفاع احتمالات الوفاة والمضاعفات نظراً لأن منظومة "الداية" في مصر مرتبطة بالولادات المنزلية حيث لا وجود لاستعدادات طبية طارئة حال الحاجة إليها. لذلك، فإن اندثار "الداية" التدريجي في المجتمع المصري، بما في ذلك القطاعات الأكثر محافظة أو فقراً أو أمية، يكاد يكون غير مأسوف عليه. ويضاف إلى ذلك، وفرة الوحدات الصحية الحكومية حيث الطواقم الطبية من النساء ما يشجع الأمهات الحوامل في أكثر المناطق حرماناً في مصر على التردد عليها وطلب المساعدة والنصح حول الحمل والولادة بالإضافة إلى عملية الولادة نفسها.
وعلى الرغم من تحول كلمة "داية" إلى تاريخ يبدو مندثراً، إلا أن "الداية" موجودة وبكثرة في مصر، وإن كان لا يشار إليه بكلمة "داية". طواقم التمريض والعاملات الصحيات من خريجات كليات ومعاهد التمريض بالإضافة إلى "قابلات" مدربات حاصلات على ترخيص مزاولة مهنة التوليد بشروط صارمة يوصفن على أنهن "دايات القرن الـ21" مع العلم أن كلمة "داية" لم تعد تستخدم للإشارة إليهن من قريب أو بعيد.
وبحسب قانون الطفل المصري لعام 2008، فإن باب "الرعاية الصحية للطفل"، وبابه الأول المعنون بـ"مزاولة مهنة التوليد" ينص في بنوده من 8 إلى 13 على "أنه لا يجوز لغير الأطباء البشريين مزاولة مهنة التوليـد بـأي صـفة عامـة أو خاصـة، إلا لمـن كـان اسـمها مقيداً بسجلات الموالدات أو مساعدات الموالدات أو القابلات في وزارة الصحة، مع العديد من القواعد والقيود الملزمة لها في شأن مزاولة المهنة والالتزام بقرارات وإجراءات وزارة الصحة".
وراء كل باب أسرار
لكن وراء كل باب قانوني ثغرات وفجوات غير قانونية. فالمعروف وإن كان غير مكتوب في عدد من الأماكن النائية أو الغارقة في الفقر أو البعيدة عن أيدي الرقابة وإمكانات غير متاحة للغلابة أن هناك من مازلن يعملن بمهنة "الداية" بمعناها القديم وهيئة "أم إبراهيم" ولكن سراً، وذلك دون ترخيص أو شهادة أو يحزنون.
يصعب وربما يستحيل الوصول إلى إحداهن. "لكن الموثوق فيهن من أهل القرية يتصلن بها على "المحمول" لتولد إحداهن بربع كلفة الوحدة الصحية، أو تجهض تلك لأن الإجهاض دون سبب طبي جريمة، "ويا بخت من نفع واستنفع"، هذا ما تقوله "أم صموئيل" زوجة حارس عقار في القاهرة وتقيم بين العاصمة وإحدى قرى أسيوط (صعيد مصر) الصغيرة جداً.
وبين "الداية" المندثرة وبقاياها غير القانونية، وعمل "القابلة" الحديث تحت رعاية ورقابة الجهات الطبية احتفاءات سنوية أممية بالقابلات. التقرير الصادر قبل أشهر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان عن "حالة القبالة في العالم لعام 2021" ينبه إلى النقص الحاد في عدد القابلات في العالم وهو ما يعرّض ملايين النساء والمواليد للموت أو الإصابة بأمراض.
التقرير يقدر النقص بنحو 900 ألف قابلة، وهو ما يمثل ثلث القوى العاملة المطلوبة عالمياً في هذا المجال. ويشير التقرير إلى أن جائحة كوفيد-19 فاقمت من حجم المشكلة، إذ ساعدت في إهمال الاهتمام بالاحتياجات الصحية للأمهات والمواليد الجدد، وتوزيع القابلات على الخدمات الصحية الأخرى.  
يشار إلى أن دور "القابلة" في العقد الثالث من الألفية الثالثة يتخطى إنقاذ الحياة وولادة الأطفال. القابلة الحديثة تقوم بمهام تعليم وتمكين النساء ليعشن حياة صحية ويمارسن حقوقهن في الصحة الجنسية والإنجابية.