الإثنين 25 تشرين الأول 2021

تقارير وتحقيقات

نورزان الشمري ضحية جديدة للعنف الأسري

النهار الاخباريه – بغداد 
صُدم أهالي بغداد بانتشار فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مرفق باسم المصدر "مديرية مكافحة إجرام بغداد"، تظهر فيه فتاة وكأنها تهرب من خطر ما وتطلب المساعدة لتظهر بعدها وهي مسجاة على الأرض وتتألم محاولةً طلب المساعدة. جريمة حدثت في منطقة الجادرية وسط ازدحام المارة في شوارع المنطقة، لينكشف الضباب بعد ساعات قليلة وتظهر تفاصيل حول الضحية وهي الشابة نورزان الشمري، ابنة العشرين ربيعاً، التي تعمل في محل للحلويات. تعرضت نورزان للطعن بواسطة آلة حادة في أكثر من مكان في جسدها بعد مغادرتها مكان عملها.
ضحايا العنف الأسري
كثيرات من النساء في العراق يقعن ضحايا للعنف الأسري من قبل الزوج، كما كانت حالة ملاك الزبيدي التي أقدمت على حرق نفسها بسبب مشكلات مع زوجها. وغالباً ما يكون الأخ هو الجاني في قضايا العنف الأسري، كما هي الحال مع قضية الشاب رافد من مدينة الصدر، الذي أقدم على قتل شقيقتيه، زهراء وحواء، بالرصاص الحي في الرأس.
ويبدو أن قضية نورزان الشمري لا تبتعد عن مظلة قضايا العنف الأسري، إذ أظهر فيديو تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيه شخص يعلن عن نفسه بأنه ابن خالة الضحية واسمه منتظَر ويعيش خارج العراق، وحريص على التواصل بشكل دائم مع نورزان، ليؤكد أن الضحية عانت كثيراً من الترهيب والعنف من قبل عمها وأخيها. ويستعرض منتظر أن الضحية أُجبرت من قبل عمها على الزواج المبكر وهي في عمر الـ13، بشخص يكبرها بـ 20 سنة لتطلّق بعد هذا الزواج ويتم إجبارها على الزواج مرة أخرى من شخص يعاني اضطراباً نفسياً وتتعرض للطلاق أيضاً بعد التعنيف من قبل الزوج. وبعدما أبدت رغبتها بالعودة إلى مقاعد الدراسة بعد طلاقها الثاني، بدأ عمها بالضغط عليها لتزويجها من ابنه، فاضطُرت للهرب واللجوء إلى أخيها من أبيها لتحتمي به، إلا أنه تخلى عنها، لتضطر للعيش مع والدتها حياةً صعبة محاولةً الابتعاد عن عمها وأخيها المتهمَين بتعنيفها بصورة مستمرة.
بيان الداخلية
وأوضح بيان لوزارة الداخلية العراقية أنه "وبعد جهود ميدانية وجمع المعلومات ومن خلال المتابعة المستمرة وتشكيل فريق عمل مختص وأخذ الموافقات القضائية، تمكنت مديرية مكافحة إجرام بغداد، من القبض على قاتل نورزان وهو شقيقها بسبب مشكلات عائلية". وأوضح البيان أن أخيها هو مَن طعنها وكان المتسبب الرئيس في وفاتها بالتعاون مع إثنين من أولاد عمها، ما زال البحث جارياً عنهما، بعدما توصلت القوات الأمنية إلى معرفة هويتهما. وأضاف البيان أن الجاني اعترف بجريمة قتل شقيقته، "واتُخذت بحقه الإجراءات القانونية اللازمة".
جرائم مغلفة بذريعة غسل العار
وتتعرض العراقيات لجرائم قتل تحت مسمى "غسل العار أو قضايا الشرف"، ولعل لجوء الجاني إلى الإعلان أن دافع القتل هو "غسل العار" لإضفاء المبرر على جريمته في مجتمع تهيمن عليه الثقافة الذكورية، غرضه التهرب من العقوبة الجنائية، إذ قد تكون عقوبة هذه الجرائم السجن لمدة سنتين أو ثلاثة، في حين أن عقوبة القتل في قضايا أخرى هي السجن المؤبد أو الإعدام.
وفي هذا الاطار توضح الباحثة الاجتماعية خلود الشمري أن "القانون العراقي بدل من أن يكون حامياً للضحية ومعاقباً للجاني، نجده في هذه القضايا يوفر الحامية للجاني"، موضحةً أن "المادة 409 من قانون العقوبات العراقي تحاسب أي شخص بالسجن لمدة ثلاث سنوات وبعدها يخرج من السجن ليعيش حياته بشكل طبيعي". ولا تستغرب الشمري من وجود هذا القانون فهي ترى أن "مجتمعنا لا يزال محكوماً بالثقافة الذكورية التي تبرر الكثير من الأفعال عندما يكون الرجل هو الجاني، فضعف القانون هو ما فتح الباب أمام انتشار هذه الجرائم". وتساءلت "كيف نفسر اغتيال الشابة نورزان في مكان عام؟ فلو كان هناك قانون صارم لما شهدنا اغتيال نورزان في مشهد صادم أمام الجميع".
أرواح النساء
في السياق، أوضح المحامي محمد جمعة أن "القانون العراقي يتعامل مع القضايا التي تحدث  تحت مسمى الشرف باعتبارها جريمة بسيطة، ويعاقب الرجل الذي فاجأ زوجته أو أحد محارمه بوضع مخل بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وهذا هو المعمول به في المحاكم العراقية". وأضاف أن "تعامل القانون العراقي مع هذه الجرائم أسهم في استرخاص أرواح النساء، فحتى في حال عدم توافر شروط النص القانوني في جرائم الشرف، وهو وجود عنصر مفاجأة الضحية بوضع مخل، وحتى مع حصول الجريمة بعد أشهر، فالعقوبة تأتي مخففة وغير متناسبة مع الجريمة. فتيات كثيرات تعرضن للقتل من قبل ذويهم بسبب محادثات عبر "فيسبوك"، وهذه أمر لا علاقة لها بجرائم الشرف التي نصّ عليها القانون، لكن القانون العراقي انصاع لآراء المجتمع وتعامل معها كجرائم شرف".
كذلك أفاد القانوني علي التميمي بأن "قانون العقوبات العراقي رقم 409، أنزل عقوبة بسيطة بحق الجاني في حال وجد الضحية في وضع مخل بالشرف، لكن القانون لا يتعامل مع المرأة بنفس تعامله مع الرجل، إذ يحكم القانون العراقي على المرأة بعقوبة القتل العمد التي تصل إلى المؤبد أو الإعدام في حال أقدمت على قتل زوجها عندما تتفاجأ به في وضع مخل بالآداب".
لا بد من إصلاح القانون
وبالعودة إلى المحامي محمد جمعة، يقول إنه "تقع على القانون مسؤولية إصلاح ثقافة المجتمع  الخاطئة، فلا بد من محاكمة مرتكبي هذه الجرائم على أنها جرائم قتل عادية تكون عقوبتها السجن المؤبد أو الاعدام، بحسب ظروف كل جريمة، فتعديل هذا القانون يسهم في إنهاء اتساع مدى هذه الجرائم".
في هذا السياق، أوضح القانوني علي التميمي أن "هذه المواد في طريقها إلى التعديل بعد إعداد مشروع لقانون العقوبات الذي بدأ كمسودة أعدها مجلس القضاء الأعلى وأُرسلت حالياً إلى رئاسة الجمهورية، فمن المؤمل أن يتضمن قانون العقوبات الجديد تعديلاً للمادة الخاصة بالقتل بدافع الشرف وغسل العار وأن يتعامل معها القانون الجديد كجرائم قتل اعتيادي، كما سيتضمن التعديل عقوبات أخرى تخص جرائم لم تكن موجودة في القانون السابق وهي الجرائم الإلكترونية".
مَن يحمي الضحية؟
على الرغم من قراءة مشروع قانون العنف الأسري في مجلس النواب أكثر من مرة، لكنه تعثر بسبب عدم الاتفاق على بنوده وظل حبيس أروقة البرلمان. وكان يُؤمل أن يضمن القانون إنشاء دار لإيواء المعنفات. وفي هذا السياق يرى محمد جمعة أن "وجود هذه الدار سيسهم بانخفاض جرائم قتل النساء وحالات الانتحار لأن الضحية ستجد ملاذاً آمناً لحمايتها من الخطر الذي يهدد حياتها"، مشيراً إلى أنه "لو كانت هناك دار  للمعنفات لتمكنت الضحية نورزان الشمري من اللجوء إليها لحمايتها من التهديد والعنف الذي عانت منه".
ورأى محمد جمعة أن "النساء يقعن ضحية قضايا عدة، منها العنف الأسري وكذلك قضايا التحرش وفي كلتا القضيتين تضطر الضحية للصمت لعدم وجود قانون يحميها، فضلاً عن وجود ثقافة مجتمعية وهي لوم الضحية بدل إنصافها". وفي إطار قضايا التحرش، قال جمعة إن "القانون عاقب المتحرش لكنه في الوقت ذاته لم يوفر الحماية للضحية بل صعّب إجراءات الشكوى فلا بد للضحية أن تذهب إلى محكمة التحقيق ومركز الشرطة وجلب الاثباتات والشهود من أجل الشكوى ضد المتحرش، فما قيمة وجود قانون للعقوبات من دون إجراءات تأخذ بيد الفتيات بسهولة للشكوى أمام المحاكم وتوفر لهن في ذات الوقت الحماية الكاملة".
تضطر ضحايا العنف الأسري من النساء للصمت، فلا قانون منصفاً ولا ثقافة مجتمعية تساندها في شكوها، صمت قد يصل بالضحية إلى الإعاقة أو القتل، فلا حياة تحقق لهن الطمأنينة والسلام، ويرددن ما قاله الشاعر:
لم أر في الحياة سوى عناء    ولم أظفر بتلك الأمنيات
فأن أبلغ ضفاف الموت يوماً   رميت نفسي في بحر الممات.