الأحد 24 تشرين الأول 2021

تقارير وتحقيقات

من ينقذ لبنان من السرطان؟ مكب نفايات في طرابلس قنبلة موقوتة

النهار الاخباريه- بيروت 
أزمة جديدة تضاف إلى لائحة هموم اللبنانيين، وتحديداً أهالي محافظة الشمال وطرابلس اللبنانية، التي تعاني من إهمال ممنهج،  هذه المرّة الخطر يهدّد حياتهم بشكل مباشر، إذ مطمر النفايات في المدينة يعالج بطريقة غير صحيّة وغير مطابقة للمواصفات العلمية، على عكس ما ورد في العقد المبرم بين الشركة الخاصّة التي ألزمت بمتابعة تنفيذ الإجراءات المتعلقة بملف النفايات
لم تتدخل السلطة لحل الأزمة، فالبلاد غارقة في التلوث والسموم منذ عام 2015 على خلفية أزمة النفايات، التي أطلق على أثرها الحراك الشعبي تحت عنوان "طلعت ريحتكم"، والذي لم يعد قابلاً للتجدد بفعل تراكم الأزمات، فاستطاعت الجهات المسؤولة أن تجعل هذا الملف البيئي قضية ثانوية، لا تحظى بالاهتمام المطلوب من الرأي العام، رغم مخاطرها الكبيرة التي تهدد بيئة اللبنانيين وصحتهم.
مطمر النفايات في المدينة بدأ بتسريب الغازات السامة الذي قد يتسبب في كارثة حقيقية، فيما يغض محافظ الشمال اللبناني رمزي نهرا، المسؤول الإداري عن الملف، الطرف عن الأزمة التي قد تكون قنبلة موقوتة بل لا تقل ضرراً عن انفجار مرفأ بيروت، بحسب تقارير حصل ونقدك للقاري نسخا توثق  ، تتحدث عن حجم الكارثة في حال حصلت، وخاصة أن حادثة مماثلة جرت منذ سنوات في دولة اجنبيه  نتيجة مكب نفايات لم يعالج بالشكل المطلوب.
تقدم مجموعة من الإعلاميين والأطباء المقيمين في الشمال اللبناني بدعوى إلى النيابة العامة اللبنانية، وفتحوا تحقيقاً  حول المتقاعسين في حل أزمة مكب النفايات. 
 
يوجد في طرابلس مكبّان للنفايات، مكبّ حديث وهو غير مطابق للمواصفات ويهدّد صحة المواطنين بسبب تجاهل التقنيات العلمية وتركيب أدوات تتخلّص من العصارة بطريقة صحيّة، ومكبّ قديم تراكمت فيه النفايات مما يقرب من 20 عاماً.
أعوام تسببت في تراكم النفايات، ما أدّى إلى ارتفاع المطمر أو "جبل النفايات" إلى 35 متراً، علماً أن الارتفاع القانوني هو 25 متراً فقط.
تؤكد الطبيبة لينا الرافعي أن تراكم النفايات بهذا الشكل وعدم معالجتها يؤدّي إلى انبعاث الغازات السّامة، وأهمها غاز الميثان شديد الخطورة، الذي ينفجر بدوره مع الضغط أو مع اشتعال أي شيء بقربه، لأنه من الغازات سريعة الاشتعال.
وتتحدث الرافعي: "لنفترض أن عملية حرق الإطارات لاستخراج الحديد منها وبيعها حصلت بالقرب من المطمر، هذا سيؤدّي إلى كارثة كبيرة وجريمة أكبر"، متّهمة السلطات المعنية بهذا الإهمال، ومشدّدة على أنّ هذا "قتل متعمّد" من قبلهم.
فيما يؤكد الإعلامي ديميتري خضر وهو أحد المشاركين في الدعوى القانونية المقامة من قبل مجموعة ناشطين في لبنان، لدى مدّعي عام التمييز في لبنان غسّان عويدات، أنه متخوف من وقوع انفجار مثل الذي وقع في مدينة لاسكو في المكسيك، والذي أدّى إلى أضرار جسيمة للأسباب ذاتها في طرابلس، أي الإهمال في موضوع النفايات، ويشدد خضر على أنه يصل إلى مطمر النفايات في طرابلس مئات الأطنان من النفايات، وذلك يعني المزيد من التراكم وانبعاث الغازات السّامة التي تهدّد بانفجار ضخم.
والجدير بالذكر أن الانفجار الذي وقع في لاسكو تضرّر منه السكّان القاطنون بالقرب من المكب بالإضافة إلى إصابات خطيرة لإحدى العائلات التي تضرّرت من الانفجار، وهناك أيضاً من تضرّرت منازلهم وأصبحوا دون سكن ولا سقف يؤويهم.
في السنوات القليلة الماضية، وخصوصاً في فصل الصيف، تغلغلت رائحة النفايات الكريهة في مدينة طرابلس اللبنانية وضواحيها، كما تبيّن ارتفاع نسب مخيفة لمرضى السرطان في الأحياء المحاذية للمطمر، ليتبيّن لاحقاً أن السبب هو الانبعاثات الصادرة من مطمر النفايات الحديث، أي الذي أنشئ عام 2019، بحسب الطبيب والمتخصص في علم الكيمياء الدكتور يحيى الحسن، الذي يتابع ملف النفايات منذ سنوات.
تضيف الرافعي أن القطاع الطبي في هذه الفترة يشهد تزايداً مطرداً في حالات الإصابة بالسرطان، وخاصة في الشمال اللبناني، وأن مكب النفايات وانبعاث الغازات السامة منه هو أحد أهم أسباب تفشي الحالات بهذا الشكل، خاصة سرطان الرئة
وكلام د. الرافعي تؤكده دراسة أجراها البروفيسور في الجامعة اللبنانيّة جلال حلواني، الذي يؤكّد وجود مواد كيميائية عضوية وغير عضوية مثل الرصاص والزئبق والـHAP ومواد كيميائية أخرى تنبعث من مكب النفايات  تسبّب أمراضاً سرطانية.
يشير حلواني بالقول إنّ هذه المواد الكيميائية الخطرة ناتجة عما يسمى العصارة أو Leachate التي تتسرّب من النفايات ولا تعالج بطريقة صحيّة، إنما هي متروكة لتشقّ طريقها إلى البحر الأبيض المتوسّط. 
إضافة إلى أن العيّنات المأخوذة من المنطقة البحرية المحاذية للشمال اللبناني أثبتت وجود هذه المواد الخطرة، وأنّ ترسّبات العصارة لا تتحلّل بالمياه إنّما تبقى وتتجمّع.
فيما يخصّ أعداد مرضى السرطان المتزايدة، يشير حلواني إلى أن الدّراسة العلمية ما زالت في بداياتها، وأكّد أن تأثير هذا التلوّث الكبير سيلاحظ بعد 10 سنوات؛ إذ إن هذه الأمور تستغرق الكثير من الوقت والدراسات العميقة.
قدّم الاتّحاد الأوروبي إلى لبنان واتّحاد بلديات طرابلس معملاً لفرز نفايات المدينة وضواحيها كهبة من أجل القيام بالفرز الصحّي والمثالي، إلا أنّ هذا المعمل لم يعمل حسب دفتر الشروط التي وضعها الاتّحاد الأوروبي. 
أحد أهم مصادر الروائح الكريهة عام 2018 كان من معمل الفرز، إذ يكشف الدكتور يحيى الحسن لـ"عربي بوست" أنه بعد الكشف على هذا المعمل، تبيّن أنّ تسبيغ المواد العضوية، أي تخميرها، هو الذي تسبب في هذه الروائح. 
إثر ذلك، تم إقفال المعمل لمدّة شهرين على أن تقام بعض الإصلاحات اللازمة لحلّ هذه الأزمة التي أحدثت فوضى في المدينة، ولكن الحال بقي على ما هو عليه.
 قرّر اتّحاد البلديات إعادة فتح المعمل بعد القيام بهذه الإصلاحات المحدودة، لتكرّر مجدّداً المشكلة ذاتها مع تغلغل الروائح في عاصمة الشّمال وضواحيها. 
وبسبب تكرار المشكلة ذاتها، أقفل المعمل مرّة أخرى لمّدة محدودة ليفتح بعدها وتقرّر وقف فرز المواد العضوية بهدف عدم تسبيغها، والإبقاء على فرز المواد غير العضوية. 
وإثر ذلك، يوضّح الحسن أن ذلك الأمر دون جدوى ولا يجدي نفعاً، لأن المواد العضوية أصبحت ترمى في المرمى القديم، وبالتّالي نتج عنه تكدس النفايات مجدّداً وإعادة انبعاثات الغازات السّامة وأهمها "الميثان"، وأنّ عملية تكدس النفايات هذه تؤدّي إلى تسبيغ المواد العضوية فيها خلال فصل الشتاء بسبب هطول الأمطار، وبالتّالي في فصل الصيف ومع قوّة حرارة الشمس تنبعث الروائح و"تعود حليمة إلى عادتها القديمة". 
القيمة الماديّة التي يسدّدها اتحاد بلديات طرابلس لمعمل الفرز كانت تقدّر سابقاً بمبلغ قدره 25 دولاراً أمريكياً لكلّ طن واحد من النفايات، فيما يصل إلى طرابلس يومياً أكثر من 400 طن، ولكن بسبب وقف عملية فرز المواد العضوية، انخفضت هذه الكلفة إلى 15 دولاراً أمريكياً للطنّ الواحد. 
ولكن حقيقة الأمر، بحسب الحسن، هي أنه يتم تسديد هذه الأموال "على الفاضي" لأنه في الواقع نسبة الفرز لا تتعدّى 3%، أمّا المواد العضوية وغير العضوية فترمى عشوائياً. وأن جميع النفايات ترمى في المكبّ في نهاية المطاف، أمّا العصارة فهم لا يعلمون أين ترمى هم فقط يدفعون للشحن وهو يرميها أينما يحلو له. 
كما كان للاتّحاد الأوروبي موقف واضح من هذا الموضوع، فبعد زيارتهم إلى معمل الفرز آخر عام 2020، قال رئيس الوفد النائب ماريناني إنّ ما شاهدوه من خلال جولتهم على المعمل أنّه بعيد كلّ البعد عن أن يكون معملاً للفرز، وشدّد على أنّه غير مطابق لدفتر الشروط الذي وضع من الاتّحاد، وفتح تحقيقاً من أجل معرفة مصير الأموال الذي دفعها الاتّحاد الأوروبي من أجل إقامة معمل الفرز في طرابلس. 
وبدأ تكليف شركة باتكو بالعمل عام 1998 وأن هذا التكليف جاء بناء على تقاطع سياسي بين رئيسي الحكومة السابقين الراحلين عمر كرامي ورفيق الحريري بالإضافة لرئيس تيار المردة سليمان فرنجية، بناء على طلب من اللواء غازي كنعان -وزير الداخلية السوري السابق- والذي كان يشغل حينها إدارة الوجود السوري في لبنان.
وبحسب أحد النشطاء العاملين في ملف النفايات عن كثب "رفض ذكر اسمه"، فإن مالكي الشركة المتعهدة كأي شركة تعهدات في لبنان تستطيع التكيف مع أي عهد سياسي، لذا فإن التمديد للشركة المسؤولة عن المطمر السابق والحالي تأتي بناء على توافق لرجال أعمال متماهين مع التيار الوطني الحر الذي يقوده صهر رئيس الجمهورية ووزير الخارجية السابق جبران باسيل.
يضيف أن الشركة نفسها تعهدت عبر التيار الوطني الحر بإنشاء مشروع سد المسيلحة، الذي يلقب بالسد الجاف، والذي فشل في تجميع المياه، ويشدد أيضاً على أن المشكلة مع الشركة المتعهدة ليست بخلفيتها السياسية إنما باستخدام الخلفية السياسية للتهرب من تنفيذ بنود العقد، وهنا يؤكد أن المعضلة تكمن بعدم قيام مجلس الإنماء والإعمار التابع للحكومة اللبنانية بمحاسبة شركة باتكو بتخلفها عن تنفيذ الشروط الموضوعة في العقد.
يشير إلى أن الأزمة متصلة بمحافظ الشمال رمزي نهرا واتحاد بلديات الفيحاء اللذين يتهربان من نشر تقرير ودراسة أعدتها نقابة المهندسين ووزارة البيئة، والتي تتحدث عن كارثة بيئية ستنتج عن الإهمال وعدم القيام بمراقبة سير العمل في المكب الجديد والقديم، على الرغم من المراجعات التي كانت تقوم بها المنظمات الدولية والمحلية، والتي كانت تقابل من قبل المحافظ واتحاد البلديات بالتهرب وعدم الرد، ما يعني، بحسب الرجل، أنهما متورطان مع الشركة بمصالح مالية وسياسية.
المحصلة، يعيش أهالي مدينة طرابلس تحت قنبلة موقوتة تهدّد صحّتهم وحياتهم بشكل مباشر في حال استمرّت عملية التهرّب من المسؤولية وعدم وضع خطّة بيئية وصحيّة من قبل وزارتي البيئة والصحّة من أجل إنقاذ أهالي البلدة.
 
وعلى المدى البعيد، سيطال التلوّث البحر الأبيض المتوسّط، على طول الساحل اللبناني، وقد ينتشر أيضاً إلى البلدان الأخرى المحاذية، وفي حال حصل ذلك، تكون الدولة اللبنانية قد قضت على الثروة السمكية وساهمت بالأمراض التي يعاني منها الشعب اللبناني في المستقبل القريب، لذا يكون لبنان قد دخل في دوّامة الأمراض إلى جانب المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي يعاني منها أصلاً، ويسعى جاهداً إلى التخلّص منها.