الثلاثاء 7 كانون الأول 2021

تقارير وتحقيقات

مصر تأمل بتحويل النيل إلى شريان ملاحي دولي


النهار الاخباريه. وكالات

مع استمرار الجمود في مفاوضات ملف سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق، ويثير الخلاف مع دولتي مصب النيل مصر والسودان، عرضت القاهرة على ممثلين أميركيين مشروعاً لتحويل النيل إلى "شريان ملاحي" بهدف تعظيم فرص التنمية الاقتصادية بين دول حوض النهر.

ومع تصاعد حدة الاضطرابات الداخلية التي تشهدها كل من إثيوبيا والسودان، وما تحمله من تداعيات سلبية على مستقبل المياه في المنطقة، يزداد القلق في الأوساط المصرية بشأن حصة القاهرة المائية واحتمالات تعرض أمنها المائي للخطر، وعليه تحاول جاهدة البحث في بدائل لتعظيم مواردها المائية

من فيكتوريا إلى المتوسط

وفق ما أعلنته وزارة الموارد المائية والري المصرية، فقد عرض وزير الري محمد عبدالعاطي، السبت، على ممثلين لواشنطن خلال اجتماع بالقاهرة، مشروع تحويل نهر النيل لـ "شريان ملاحي لدول حوض النهر".

وأوضحت الوزارة أن اللقاء الذي جمع عبدالعاطي مع خبير المياه بالحكومة الأميركية ماثيو باركس ونائب السفير الأميركي نيكول شامبين وممثلي سفارة واشنطن بالقاهرة، "استعرض مشروع الممر الملاحي بين بحيرة فيكتوريا (المنبع الرئيس لنهر النيل وتقع في شرق القارة الأفريقية بين تنزانيا وأوغندا وكينيا)، والبحر المتوسط الذي يهدف إلى تحويل نهر النيل إلى شريان ملاحي يربط بين دول حوض النيل"، من دون تحديد موعد انطلاقه أو الدول المشاركة فيه

وأضاف الوزير أن المشروع "يشتمل على ممر ملاحي وطريق وخط سكة حديد وربط كهربائي وكابل معلومات لتحقيق التنمية الشاملة لدول حوض النيل"، موضحاً أن "المشروع إقليمي حيوي يجمع دول الحوض، باعتبار أن النقل النهري بين الدول من أفضل الوسائل القادرة على نقل حركة التجارة بمختلف أنواعها وأحجامها بكلفة منخفضة واستهلاك أقل للطاقة ومعدلات أمان أعلى مقارنة بوسائل النقل الأخرى، وبحيث يتم التكامل مع وسائل النقل الأخرى".

وأكد عبدالعاطي دور المشروع في "دعم حركة التجارة والسياحة بين الدول المشاركة في ما بينها ومع دول العالم، والعمل على توفير فرص العمل وزيادة إمكان الدول الحبيسة للاتصال بالبحار والموانئ العالمية، وكذا دعم التنمية الاقتصادية بالبلدان المشاركة وتقوية وضع المنطقة في النظام الاقتصادي العالمي، فضلاً عن دعم التعاون والتكامل بين الدول المشاركة بكل المجالات"، الأمر الذى ينعكس على رؤية المشروع التي تتمثل في "قارة واحدة، نهر واحد، مستقبل مشترك"، على حد تعبيره.

وبينما لم تصدر أي ردود فعل من عواصم دول حوض النيل بشأن المقترح المصري، إلا أنه وفق القاهرة أبدى الممثلون الأميركيون خلال الاجتماع "اهتمامهم بهذا المشروع، باعتباره أحد أهم المشاريع الإقليمية التي تحسّن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لكل الدول المشاركة في المشروع".

ويضم حوض النيل 11 دولة، هي إريتريا وأوغندا وإثيوبيا والسودان وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا ومصر.

عقبات لوجستية وكلفة عالية

وفق مراقبين تحدثت إليهم ، تتباين الآراء بشأن مشروع تحول نهر النيل إلى ممر ملاحي، بين قدرة دول حوض النهر على تنفيذه لكلفته المادية المرتفعة، وإمكان تجاوز التعقيدات اللوجستية على طول المجرى الملاحي للنهر، والمتمثلة في السدود والمستنقعات وغيرها من التحديات والصعوبات الجيولوجية.

وبرأي أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين، فإن الجدوى الاقتصادية للمشروع "تبقى محدودة"، نظراً إلى تعدد العوائق اللوجستية على طول مجرى النهر، موضحاً أن "كثرة العوائق تتطلب تنويع وسائل النقل، وهو ما يعني زيادة الكلفة بنسب مرتفعة تصل إلى حد التقليل من جدوى المشروع ككل".

ويقول نور الدين، "مع تنفيذ هذا المشروع الذي قد يصطدم بالأساس بالكلفة المادية المرتفعة، والمواقف السياسية المسبقة لدى عدد من دول النيل، ستتنوع وسائل النقل من نهري إلى بري". مضيفاً، "قد يكون الربط عبر خط سكة حديد هو الأجدى والأوقع في هذه الحال، لتعظيم القدرات الاقتصادية بين دول الحوض وتعظيم الاعتماد المتبادل في ما بينها".
بماذا تخبرنا حملات الخديوي إسماعيل لتأمين منابع النيل؟
ويواصل، "في الإجمال تصب مثل تلك المشاريع في اتجاه ربط اقتصادات الدول ببعضها، وتأكيد الفرص المتاحة لتقليل حجم الخلافات".

من جانبه، يقول وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق محمد نصر علام، إن جدوى المشروع في حال إتمامه "سيمثل نقلة نوعية على مستوى اقتصادات دول حوض النيل وحركة التجارة في ما بينها، فضلاً عن تجاوز الخلافات المائية وزيادة مواردها".

ويوضح علام أن"في مشروع مثل ذلك المطروح من قبل وزارة الري المصرية يكمن الإشكال الوحي في ارتفاع كلفة إتمامه، لكن يمكن القول إن الجدوى الاقتصادية والمائية قادرة في ما بعد على تغطية تلك الكلف"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن احتمالات تنفيذه من عدمه "تحكمها المواقف السياسية للدول ومدى دعم المجتمع الدولي لمثل هذا المقترح".

مخاوف مصرية بشأن المياه

في الأثناء، جدد وزير الري المصري محمد عبدالعاطي مخاوف بلاده على حصتها المائية في ضوء تعثر المسار التفاوضي بشأن سد النهضة، قائلاً إن "ما أبدته مصر من مرونة كبيرة خلال مراحل التفاوض المختلفة لرغبتها في التوصل إلى اتفاق عادل وملزم في ما يخص الملء والتشغيل، إلا أن ذلك لم يقابل بحسن نية من الجانب الإثيوبي"، وأكد "ضرورة وجود إجراءات محددة للتعامل مع حالات الجفاف المختلفة في ظل اعتماد مصر الرئيس على نهر النيل".

وبحسب عبدالعاطي فإن "حاجات مصر المائية تصل إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنوياً، بعجز 54 مليار متر مكعب سنوياً". وتابع، "سبق لمصر اقتراح إنشاء صندوق للبنية التحتية بالدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) ليفتح مجالاً للتعاون، لكن لم يتم تفعيله حتى الآن، كما طرحت القاهرة فكرة ربط شبكات الكهرباء بالدول الثلاث، لكن إثيوبيا رفضت هذا المقترح أيضاً، مع تأكيد أن أي نقص في المياه سيؤثر في العاملين بقطاع الزراعة وسيسبب مشكلات اجتماعية وعدم استقرار المنطقة أمنياً، ويزيد الهجرة غير الشرعية".

وذكر عبدالعاطي أن "الجانب الإثيوبي يقوم بالإيحاء أنه مضطر للملء، باعتباره ضرورة إنشائية وبغرض توليد الكهرباء، وهو أمر مخالف للحقيقة، بدليل قيام الجانب الإثيوبي بالملء خلال العام الماضي على الرغم من عدم جاهزية توربينات السد لتوليد الكهرباء، كما كرر السيناريو نفسه هذا العام من دون توليد الكهرباء أيضاً حتى الآن، إذ لم يتم تشغيل توربينات التوليد المبكر بالسد، وهو الأمر الذى يثير عدداً من التساؤلات حول إصرار إثيوبيا على ملء السد من دون توليد كهرباء"، على حد تعبيره.

وأضاف، "يتعمد الجانب الإثيوبي إصدار بيانات غير صحيحة وإدارة السد بشكل منفرد، مما تسبب في حدوث أضرار كبيرة على دولتي المصب التي تتكلف مبالغ ضخمة تقدر بمليارات الدولارات لمحاولة تخفيف الآثار السلبية الناتجة من هذه الإجراءات الأحادية التي أحدثت ارتباكاً في نظام النهر".

وتتمسك إثيوبيا باعتبار سد النهضة مشروعاً تنموياً ضرورياً لنهضتها، وأنها لا تسعى إلى لإضرار بالحصص المائية لدولتي المصب، معتبرة أن "موارد المياه العابرة للحدود تشكل فرصة لتحقيق الصالح العام والتعاون الإقليمي"، وأن "موقفها من مياه النيل عادل، وتتطلع إلى استغلال حقوقها المشروعة وبناء توافق بين شعوب البلدان المشاطئة"، إلا أن هذا الموقف لم يبدد مخاوف كل من مصر والسودان.

وفي 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، دعا بيان مصري - أميركي مشترك في ختام جلسات الحوار الاستراتيجي بين البلدين في واشنطن إلى استئناف مفاوضات السد، وذلك في وقت لا تزال تتبادل مصر والسودان مع إثيوبيا اتهامات بالمسؤولية عن تعثر المفاوضات بسبب خلافات حول التشييد والتشغيل وجدولة الملء.