الإثنين 25 تشرين الأول 2021

تقارير وتحقيقات

ما الذي حدث في نطنز وكيف تم؟

 
 
ما الذي حدث في نطنز وكيف تم؟
على وقع صدمة الاستهداف وتوقيته، لا تزال طهران تلملم تداعيات ضرب منشأة نطنز النووية، أكبر محطة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم في البلاد، الذي جاء على ما يبدو كأحدث فصول حرب الخفاء الدائرة بين إيران وإسرائيل منذ وقت طويل.

ومنذ الأحد الماضي، مع إعلان طهران عن "عمل تخريبي نفذته إسرائيل"، تتفاعل روايتان في شأن ما حدث. الأولى إيرانية تقلل من حدة الضربة، معتبرة أنها "مقامرة بالغة السوء"، تعزز موقفها في المفاوضات النووية، فضلاً عن أنها لم تتمكّن من وقف عمليات تخصيب اليورانيوم. والثانية تكتسب زخمها تدريجاً في الصحف الأميركية والإسرائيلية، وتشير إلى "عملية مخطط لها بدقّة منذ أشهر وربما يكون من أبرز نتائجها تعطيل القدرات النووية لإيران طوال أشهر مقبلة".

فماذا حدث في نطنز وكيف تم، خصوصاً أن الحادثة تزامنت مع مساعٍ دبلوماسية تبذلها إيران والدول الموقّعة على الاتفاق النووي (2015) من أجل عودة طهران وواشنطن إليه، وقد جاءت بعد يوم واحد من تدشين الرئيس الإيراني حسن روحاني، السبت الماضي، أجهزة طرد مركزي جديدة في نطنز المنشأة الرئيسة لبرنامج تخصيب اليورانيوم في البلاد، في حفل بُثّ على الهواء مباشرة على التلفزيون الرسمي.

 كيف استهدفت نطنز؟

نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الثلاثاء عن مصادر استخبارية أن استهداف منشأة نطنز النووية المقامة في الصحراء في محافظة أصفهان وسط البلاد، تم بواسطة عبوة ناسفة جرى تهريبها إلى المنشأة وتفجيرها عن بعد، موضحة أن الانفجار أحدث أضراراً جسيمة بأنظمة الكهرباء الأساسية والاحتياطية، ما يعني، بحسب تقديرات الصحيفة، أن طهران قد تستغرق 9 أشهر لإعادة تخصيب اليورانيوم في المنشأة.

وتتناقض هذه الرواية مع ما أعلنته طهران، الاثنين، على لسان بهروز كمالوندي، الناطق باسم الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية، إذ قال إن "انفجاراً صغيراً" تسبب في "أضرار طفيفة"، مضيفاً، بحسب وكالة "تسنيم" المحلية أن الحادثة "وقعت في مركز توزيع الكهرباء، لقد وقع انفجار صغير، ولحسن الحظ لم يصَب أحد بجروح وبرأيي بالإمكان إصلاح القطاعات المتضررة سريعاً".

رواية أخرى، ذكرتها القناة "13" الإسرائيلية، تطابقت في أجزاء منها مع الرواية الإيرانية في شأن الجهة المسؤولة عن الحادثة، وهي إسرائيل، إلا أنها اختلفت في حجم الأضرار التي نجمت عنها.

وبحسب القناة، فإن "الموساد الإسرائيلي الذي يقف وراء حادثة منشأة نطنز، نفذ الهجوم عبر زرع عبوات ناسفة في المكان وليس إلكترونياً"، مشيرة إلى أن إعادة تخصيب اليورانيوم في المنشأة قد تستغرق أشهراً، وأن إيران غير قادرة على تخصيب اليورانيوم فيها، ومن المحتمل ألا تكون قادرة على تخصيبه لأشهر.

في الاتجاه ذاته، تقول هيئة البث العامة الإسرائيلية إن "الضرر الذي لحق بمنشأة نطنز أكبر من المبلّغ عنه في إيران"، مشيرة إلى أنها ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها المنشأة لحادثة، فقد سبق أن أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في يوليو (تموز) الماضي، عن وقوع "حادثة غامضة" داخلها.

أي نتائج للضربة؟

وفق تقارير أميركية وإسرائيلية، فإن الانفجار الذي طاول نطنز، دمر نظام الطاقة لأجهزة الطرد المركزي الإيرانية، وهو ما نفته طهران مؤكدة استمرار قدرة المنشأة على تخصيب اليورانيوم، وأن "أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً ستوضع في المنشأة في القريب العاجل"، بحسب ما أعلن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، الثلاثاء.

وكتبت "نيويورك تايمز" أن الانفجار الضخم الذي وقع في منشأة نطنز وجّه ضربة قاسية لقدرة إيران النووية. ونقلت عن مسؤولين أميركيين لم تسمِّهما أن الضربة تسببت "في انفجار كبير دمر نظام الطاقة الداخلي، الذي يوفر الطاقة لأجهزة الطرد المركزي الموجودة تحت الأرض".

في الاتجاه ذاته، تقول صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية إن ما حدث في منشأة التخصيب في نطنز لم يكن "حادثاً"، وكان أكبر بكثير مما هو معلن في إيران، موضحة أن طهران باتت بعيدة من التعافي الكامل. وأشارت إلى أن المبنى الذي تعرّض للانفجار هو الموقع الرئيس لتجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة من طرازَي "أي أر- 4 وأي أر-6".

هجوم نطنز يهدد مستقبل محادثات فيينا النووية
والثلاثاء الماضي، ذكرت وكالة "رويترز" نقلاً عن تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن إيران بدأت تخصيب اليورانيوم في منشأة نطنز الجديدة تحت الأرض باستخدام أجهزة طرد مركزي متطورة من طراز "أي أر-4".

ونقلت قناة "كان" الرسمية الإسرائيلية عن مصدر استخباري لم تسمِّه أن "الأضرار التي لحقت بالمنشأة تقوّض قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، وهو ما أفقد طهران قدرة كبيرة في هذا الملف"، معتبرة أن "توقيت العملية ليس مصادفة".

لماذا نظنز؟

على مدار الأشهر العشرة الماضية، تعرّضت منشأة نطنز الإيرانية النووية لضربتين، ما استدعى أسئلة عن سرّ الحوادث المتكررة فيها، وذلك بعدما سبق واندلع فيها حريق غامض العام الماضي، وادّعت السلطات حينها أنه نجم عن عملية تخريب "سيبرانية".

وبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن منشأة نظنز لتخصيب الوقود الواقعة في محافظة أصفهان وسط البلاد (250 كلم جنوب العاصمة طهران)، تعدّ أكبر منشأة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم في إيران، وتعمل المحطة على تخصيب اليورانيوم منذ فبراير (شباط) 2007.

وتتكوّن المنشأة من ثلاثة مبانٍ كبيرة تحت الأرض، قادرة على تشغيل ما يصل إلى 50 ألف جهاز طرد مركزي. ويتم ضخ غاز سداسي فلوريد اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزي، التي تفصل معظم النظائر الانشطارية لليورانيوم 235. وأكد تحليل العينات البيئية المأخوذة من المحطة وغيرها من التجارب التي أجرتها الوكالة الدولية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 أن المنشأة كانت تستخدم لإنتاج اليورانيوم المنخفض التخصيب.

وتُعتبر هذه المنشأة واحدة من منشآت نووية عدة تراقبها الوكالة الدولية لضمان امتثال إيران لاتفاق عام 2015، الذي يُعرف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة".

وكانت طهران وافقت بموجب هذا الاتفاق النووي مع القوى الدولية الكبرى على تركيب ما لا يزيد على 5060 من أجهزة الطرد المركزي الأقدم والأقل كفاءة في منشأة نطنز حتى عام 2026، وعدم إجراء أي تخصيب في منشأة فوردو الموجودة تحت الأرض حتى عام 2031.

وانطلاقاً من الأهمية التي تمثلها منشأة نطنز في البرنامج النووي الإيراني، أشارت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إلى أنها تعرّضت إلى جانب منشآت نووية إيرانية أخرى إلى هجمات إلكترونية "سيبرانية" في 2010. وقد أدخل في هذه الهجمات برنامج فيروسي معقّد يحمل الاسم المشفّر "ستوكسنت" إلى أجهزة الكمبيوتر التي تتحكم في أجهزة الطرد المركزي الإيرانية لتخصيب اليورانيوم في منشأة نطنز، ما تسبب في إحداث فوضى والتسبب في خروج أجهزة الطرد المركزي عن نطاق السيطرة.

وفي يوليو (تموز) الماضي، تعرّضت المنشأة ذاتها لانفجار أدى إلى تدمير أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. وحينها نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤول استخباري في الشرق الأوسط أن "إسرائيل زرعت قنبلة في مبنى شهد استئناف العمل في أجهزة الطرد المركزي بمنشأة نطنز النووية". غير أن الانفجار لم يخلّف إصابات أو تسرّباً للإشعاع، وفقاً لهيئة الطاقة الذرية الإيرانية، التي أقرّت لاحقاً بأن الحادثة خلفت "أضراراً مادية جسيمة" وأن البناء مخصص لإنتاج "أجهزة طرد مركزي متطورة".

وإجمالاً، تمتلك طهران عدداً من المنشآت والمواقع النووية الداخلة في تنفيذ برنامجها النووي، يأتي أبرزها مفاعل أراك لإنتاج الماء الثقيل ومحطة بوشهر النووية ومنجم غاشين لليورانيوم ومحطة أصفهان لمعالجة اليورانيوم ومنشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم في محافظة قم وموقع بارشين العسكري إلى جانب منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم.

وكان الاتفاق النووي الذي وقّعته إيران مع القوى الكبرى عام 2015، قضى بأن تنتج طهران يورانيوم منخفض التخصيب فقط، تتراوح نسبة تخصيبه بين 3 و4 في المئة من اليورانيوم 235، الذي يمكن استخدامه في إنتاج وقود لمحطات الطاقة النووية. ويتطلب اليورانيوم المستعمل في صنع الأسلحة تخصيباً بنسبة 90 في المئة أو أكثر. لكن العام الماضي، بدأت إيران التراجع عن التزاماتها، وذلك بعدما تخلّى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عن الاتفاق النووي، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية خانقة عليها.

وفي نوفمبر الماضي، قالت إيران إنها ضاعفت عدد أجهزة الطرد المركزي المتطورة، التي يتم تشغيلها في نطنز، وبدأت حقن غاز سادس فلوريد اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزي في محطة فوردو. وسعت طهران إلى تحصين هذه المنشأة ومنشآتها النووية الأخرى، ببناء أجزائها الحيوية ضمن تحصينات شديدة تحت الأرض.
احمد عبد الحكيم