الإثنين 18 تشرين الأول 2021

تقارير وتحقيقات

بالتفاصيل كيف زرعت الغصة في قلوب الفلسطينيين عند سماع خبر «اعتقال الأسرى الأربعة»


النهار الاخباريه  القدس

لم يعد الأمر بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي الإمساك بأربعة من أصل ستة أسرى فلسطينيين فروا قبل خمسة أيام من سجن جلبوع شمال الضفة الغربية، بل أصبح عملية كبيرة لصناعة الرأي العام داخليا بعد أن تهشمت صورة الأمن والقبضة الأمنية الإسرائيلية، وخارجيا في علاقة هذا الاحتلال وممارساته مع الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت هذا الاحتلال.
وهو ما جعل إعلاميين وسياسيين وخبراء في الشأن الإسرائيلي يرون في كل ما يخرج من وسائل الإعلام الإسرائيلية التي لا تنشر إلا بموافقة أمنية من جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» بإنه جزء من معركة صناعة الوعي والدعاية السياسية والأمنية الإسرائيلية، وهي كلها محاولة لترميم صورة الاحتلال وتحطيم صورة الذين يقاومونه.

وكان خبر اعتقال قوات الاحتلال لأربعة أسرى من أصل ستة صدمة كبيرة وغصة عاشها قلب كل فلسطيني. فقد أعلنت شرطة الاحتلال اعتقال الأسيرين محمود العارضة ويعقوب القادري، أثناء وجودهما في مدينة الناصرة، قبل منتصف الليل وبعد ساعات قليلة في ساعات الفجر الأولى تم الإعلان عن اعتقال محمد العارضة وزكريا الزبيدي في قرية «أم البقر» بالقرب من مدينة أم الفحم التي تقع بمحاذاه الخط الأخضر الفاصل بين الضفة الغربية
وفلسطسن 48

رواية وخطاب إسرائيلي

المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي إيهاب جبارين قال في تصريحات صحافية أن كل ما يصل عن عملية الاعتقال هو من المصادر الإسرائيلية، وكل ما يخرج يأتي ليكون جانبا أو جزءا من خطاب الرواية الإسرائيلية، فنحن لا نعرف ما هو حقيقي في مسألة الهروب ولا ما هو حقيقي في مسألة الإمساك بهم، وهو أمر يصعب التحقق منه إلا بعد سنوات، فالجهات الإسرائيلية تبث ما تريده هي أن يصل للفلسطينيين والإسرائيليين على السواء بهدف تحقيق مصالحها.

وكانت مواقع إعلامية إسرائيلية نشرت أخبارا تفيد أن عائلة عربية من الناصرة هي التي وشت باثنين من الأسرى عبر اتصالها بالشرطة، وهو خبر انتشر كـ»النار في الهشيم» خالقا غضبا وتبادلا كبيرا للاتهامات والشتائم على المنصات الاجتماعية. 

عن ذلك يؤكد جبارين: «أي سيناريو حدث بالضبط؟ أظن أن الاحتلال الذي أنزعج من مسألة الوحدة بين شقي الوطن خلال أحداث هبة القدس رغب استثمار هذه الحادثة في تعميق الشرخ بين الداخل المحتل والضفة الغربية عبر ترويج هذه الأخبار».
ويؤكد جبارين أن ما نشهد هو عملية إخراج متقنة لحدث لا نملك جميعنا أي معلومات عنه، هل فعلا عائلة من الناصرة بلغت الشرطة؟ وهل عندما بلغت (على افتراض ذلك) كانت تعرف أن الشابين هما من الأسرى الهاربين من جلبوع؟ كل ذلك لا نعرفه بدقة، والشاباك يدير العملية باحتراف ونحن نتلقف الصور والفيديوهات والأخبار وننشرها.

وتابع جبارين: «إذا نظرنا لسيناريو الإعلام الإسرائيلي فإنه يحاول أن يظهر الأسرى وكأنهم بلا حاضنة شعبية، يريد إظهارهم على أنهم جوعى في محاولة لتحقيق أكبر قدر من الإهانة الوطنية وبث الرهبة في نفوس الفلسطينيين».

عملية إغراق

وبعد بث الصور شكك فلسطينيون برواية الإعلام الإسرائيلي، حيث بدى الأسيرين الذين اعتقلا في مدينة الناصرة حليقي الوجه وبثياب جديدة وهو ما يدلل على أنهم تلقوا مساعدة من جهات فلسطينية هناك. وكانت قوات الاحتلال قد أغرقت وسائل الإعلام الإسرائيلية ومن ثم الفلسطينية تباعا بفيديوهات وصور للأسرى، على غير عادتها في مثل هذه الملفات الأمنية، لتحقيق غاية دعائية محددة.

والأمر في رأي جبارين إخراج متقن هدفه التغطية على الفشل الإسرائيلي الذريع، حيث يريدون أن يظهروا بصورة الإسرائيلي القوي الذي عاد إلى الواجهة وها هو وفي الميدان يعتقل بقوة وهدوء وتمكن، وكل ذلك لخدمة الرأي العام الإسرائيلي ولتحطيم الرأي العام الفلسطيني.
وكانت منصة «تيقن» الفلسطينية المتخصصة بالتحقق في عالم الأخبار قد نشرت تعميما تطالب بعدم التسرع في نشر الأخبار الصادرة عن جهات أمنية إسرائيلية، حيث انتشر،   كم هائل من الأخبار المضللة والشائعات سواء من ناحية أسم الشرطي الذي قام بالوشاية بالأسرى، أو فيديو اعتقال الأسرى، أو إحراق منازل في الناصرة، أو أن الشاباك يقول أن المعلومة الذهبية التي دلت على الأسيرين كانت عند اكتشاف اتصال بينهما مع قيادي كبير في غزة 

وبحسب «تيقن» فإن «الإعلام العبري حين يتناقل روايات معينة لا يعني ذلك أنها روايات حقيقية، والحقيقة الوحيدة الثابتة في هذه الحكاية أن الأسرى الستة حققوا إنجازًا يفوق التصور البشري وانتزعوا حريتهم بعد أن حفروا باطن الأرض».

الإعلامي في راديو «الشمس» جاكي خوري أكد أيضا على أن «الحقائق في هذا الملف ليست كثيرة، هناك كم هائل من الأخبار المزيفة التي يتم تداولها مع خبر اعتقال أربعة من الأسرى الهاربين، وهي أخبار وشائعات كلها تهدف إلى توجيه الموضوع لرؤية إسرائيلية خالصة، وهو ما خلق أزمة حقيقية، وخلط الأوراق وأحدث نوعا من البلبلة وتبادل الاتهامات».
أستاذ القانون في جامعة الاستقلال د. نظام صلاحات اعتبر أنه رغم «كل الألم والغصّة التي نشعر بها جميعاً، ورغم مرارة الخذلان التي انهت قصة بطولية فلسطينية، كل ذلك ليس مبررا أن تتحول تلك القصة إلى مثار للعنصرية والتخوين بين أبناء الشعب الواحد، فهذه نتيحه أسوأ من إعادة اعتقال أسرى نفق الحرية».
وطالب صلاحات: «بتذكر هبة أيار التي انتفض فيها شعبنا في كل مكان من فلسطين، ودعونا نتذكر مواكب الشهداء والمناضلين والشعراء الوطنيين والقادة السياسيين الكبار الذين يعج بهم شعب النكبة».
لا عودة للخلف
وبالنسبة لخوري فإن السيناريو الأفضل لإسرائيل هو أن تنتهي العملية مع الأسيرين الآخرين وفق ما جرى مع الأسرى الأربعة، فهذا هو الأفضل في الرؤية العسكرية الأمنية الإسرائيلية، هذا يحقق لهم كسب النقاط لكن الفشل في منظومة الأمن الإسرائيلية كبير جدا.
المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور يقول إنه «لا شيء يمكن ان يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ومهما فعلت إسرائيل، لن تمحو من تاريخها، ذل ما فعله بها وبمنظومتها ستة أبطال».
ويضيف: «لن تستطيع إعادة حبس ملايين الصرخات الفرحة التي أطلقناها، نشوة بما حققوه من معجزات، ولا لجم خيالنا الجماعي في محاكاة رحلتهم الأسطورية التي بدأت من لا شيء وصنعت أسطورة».
وأكد منصور: «هذه الأيام الخمسة ستكتب عنها أغاني وأشعار وقصص، سنتذكرها بفخر كبير، ونتذكر معها انه لا مستحيل أمام الإرادة، وان هذه المنظومة يمكن كسرها وإذلالها، وان الإنسان الفلسطيني قادر على صنع انتصاره من العدم، حتى المطاردة القصيرة وفي مثل هذه الظروف غير المؤاتية التي وجدوا أنفسهم بها تستحق ان تسجل كأسطورة».
والعقلانية في رأي صلاحات تقول انه «لا بد ويجدوهم يوماً ما، فهذه فلسطين الكانتونات المغلقة، والسجن الكبير الذي تديره دولة الابارتهايد، وعلينا أن نتذكر أننا لا نملك غابات فيتنام ولا جبال أفغانستان، ولا جبال الأوراس والأطلس التي آوت ثوار الجزائر، عزاؤنا انهم بقوا سالمين».
أما أكثر الخيارات حلاوةً مرٌّ بحسب الكاتب محمود أبو هشهش، سواء بتمكنهم من الهرب بعيداً عن ذويهم، أو بالاختفاء تماماً، أو بالاشتباك حتى النهاية، أو في الوقوع مجدداً في قبضة السجّان الفاشي المجروح في كبريائه حتى الصميم.
ويضيف: «في اللحظة التي اخترنا فيها أن نرى المسألة مثل فيلم أمريكي، فقد قررنا أن نكون مجرد مشاهدين، وليس الفرق كبيراً بين من قرر المشاهدة وهو يتناول البوب كورن، أو من قرر المشاهدة بصمت واهتمام أكثر».
والسؤال الجوهري في رأي أبو هشهش هو: «ما الذي (كان) يمكن أن نفعله لنساهم في صنع نهاية، أو ربما بداية، مغايرة؟!».