الأربعاء 19 كانون الثاني 2022

من يتلاعب بسعر صرف الدولار في لبنان


النهار الاخباريه بيروت 

في لبنان تحوّل سعر صرف الدولار إلى معيار لقياس حجم الخوف والطمأنينة لدى المواطنين، وتحوّلت تطبيقات السوق السوداء إلى ضابط لسلوك الاقتصاديين. وفي الأيام القليلة الماضية، طُرحت علامات استفهام كثيرة حول الهبوط السريع لسعر صرفه بها من دون مبرر.

تزداد هذه الريبة عندما يقصد المواطن الصراف، فبعض الصرافين النظاميين يلعب الدور المحايد فهو لا يشتري ولا يبيع، فيما يلعب الآخر دور المرابي يشتري ولكن "لا يبيع لأنه لا يوجد لديه كفايته". فيما ينشط تجار الأزمات، فتجدهم يجلسون في الزوايا ويهمسون للمارة بأنهم "يشترون بأفضل سعر ممكن".

الدولار أسعار مختلفة؟

يغطي انخفاض حجم الودائع في البنوك صورة عن تراجع الثقة بالنظام المصرفي في لبنان، والقلق الذي ينتظر المستقبل الاقتصادي للبلاد.

 ففي سبتمبر (أيلول) 2019 بلغ حجم الودائع بالبنوك اللبنانية 175 مليار دولار، منها 127.5  مليار بالدولار. وفي نهاية سبتمبر 2020 تراجعت الودائع إلى 147 مليار دولار؛ أي أقل بـ28 مليار دولار، حسب الباحث الاقتصادي محمد شمس الدين، الذي يؤكد لـلنهار  الاخباريه  أنه لا يوجد نص يمنع التحويل إلى الخارج، وكل ما يخالف ذلك هو مجرد كلام لأنك حر بالتصرف في مالك وأن تخزنه في المنزل أو تحوله وفق مندرجات القانون الذي يسمح بذلك.

هذا التوصيف الذي يندرج تحت إطار العموميات يشي بأن هناك صعوبة في الحصول على الدولار ضمن السياق النظامي، وهناك دفع للمواطن من أجل الولوج إلى السوق الموازية غير الشرعية التي لعبت دوراً ثلاثياً الأضلاع، فهي آمنة للقطاعات الاقتصادية وجزء من احتياجاته من الدولار، وفي المقابل أشعرت المواطن بشيء من الأمان بأنه قادر على تحصين مدخراته باللبناني، التي يحصل عليها من البنوك إلى الدولار، ولكنها في الوقت نفسه لعبت دوراً سلبياً في تهريب جزء منها إلى الخارج ودفع الناس إلى بيع مدخراتها تحت وطأة الابتزاز والخوف من هبوط سريع في سعر صرف الدولار الأميركي.

الدولار بين العرض والطلب

يقوم سعر صرف الدولار كسلعة على قواعد السوق والعرض والطلب، هذا وفق الإطار العام. أما في النموذج اللبناني فإن الأمر مختلف. تخبرنا ليال منصور عن دولرة الاقتصاد اللبناني والأنشطة المتصلة به، وتقول، "اللبناني يتعامل مع الدولار وكأنها عملته الوطنية على خلاف البلدان الأخرى".

يوضح عمر، أن سعر الصرف القائم على بنيان اقتصادي مهتز ومالية عامة مهترئة، يصبح من السهل ربطه بالأحداث السياسية وتطوراتها، مؤكداً أن سعر الصرف سياسي بامتياز كأحد أهم الأدوات في تحقيق أجندات خارجية.
وفي نظرة تاريخية، فإن بداية ارتفاع سعر صرف الدولار بالسوق السوداء حدثت في أغسطس (آب) 2019، عندما ارتفع من السعر الرسمي إلى 1530 ليرة للدولار، وكان ذلك مع اشتداد العقوبات على فريق سياسي معين في البلاد والبدء بالاصطفاف الحاد فيه، ونلاحظ أنه كلما اشتدت الأزمة السياسية كلما شهدنا مزيداً من التدهور في سعر الصرف.

الحل يبدأ الآن

تختصر منصور ما يجري الآن في لبنان بـ"لعب بالأرقام"، وتعتقد أن "البنك المركزي يريد إثبات أن الأرقام في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 تتجه نحو التحسن مقارنة بالشهور السابقة". وتحذر منصور المواطنين من التلاعب بهم، متوقعةً عودة الدولار إلى الارتفاع مع بداية الشهر المقبل.
تصف منصور، السياسات المتبعة في لبنان بالـ"المسكنات" قصيرة الأمد، لأن وضع سقوف لسحب الدولار لا يؤدي إلى التدهور في سعر الصرف أو يخفف الحاجة إليه، وتشبهه بالشخص الجائع الذي يتوقف قسراً عن الطعام بسبب إقفال باب المطبخ، لأن المنع سيستدعي ردود فعل عنيفة أو ارتكاب جرائم للحصول على الحاجات الأساسية، أو انتهاز الفرصة للحصول على أكبر قدر ممكن. وتعتقد أن الحل يبدأ بوقف الاستنزاف والانهيار مباشرة، من خلال "صندوق تثبيت القطع".