الأربعاء 19 كانون الثاني 2022

من مرفأ بيروت إلى مرفأ حيفا

من مرفأ بيروت إلى مرفأ حيفا
لم يبدأ الازدهار اللبناني فعلا، إلا بعد نكبة فلسطين في سنة 1948. قبل تلك الحقبة، وحتى ثلاثينات القرن العشرين، كان لبنان مجرد مجموعة من القرى المتناثرة في الجبل تتميّز بهواء صحي ملائم للمصطافين الفلسطينيين والسوريين والعراقيين. لكن، بسقوط فلسطين سنة 1948، حمل اللاجئون معهم إلى لبنان دفعة واحدة نحو 150 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل 15 مليار دولار بأسعار هذه الأيام. وهذا الأمر أطلق فورة إقتصادية شديدة الإيجابية، فاليد العاملة الفلسطينية المدربة ساهمت في العمران وفي تطوير السهول الساحلية اللبنانية، والرأسمال النقدي أشاع حالة من الانتعاش الاستثماري الواسع. وكان لإقفال ميناء حيفا ومطار اللد شأن مهم جدا في تحويل التجارة في شرق المتوسط إلى ميناء بيروت ثم في إنشاء مطار بيروت الدولي بعدما كان مطار بئر حسن مجرد محطة متواضعة لاستقبال الطائرات الصغيرة. وفي هذا السياق لمع في لبنان الكثير من الفلسطينيين الذين كان لهم شأن كبير في الازدهار اللبناني أمثال يوسف بيدس مؤسس بنك انترا وكازينو لبنان وطيران الشرق الأوسط واستديو بعلبك، وحسيب الصباغ وسعيد خوري مؤسسا شركة اتحاد المقاولين 222، ورفعت النمر البنك الاتحادي العربي ثم بنك بيروت للتجارة، وباسم فارس وبدر الفاهوم الشركة العربية للتأمين، وزهير العلمي شركة خطيب وعلمي، وكمال الشاعر دار الهندسة، وريمون عودة بنك عودة، وعدة أسماء في عالم الاقتصاد والاستثمار.

وفي حقبة الوحدة بين مصر وسوريا 1958/1961 كانت مشاريع التأميم في سوريا تصادر المصانع والشركات مما أدّى إلى إنكماش فوري في الرساميل العربية التي كانت تستثمر في سوريا واتجاه تلك الرساميل نحو السوق العقاري في لبنان ومن نتائج التأميم أيضا هروب الرساميل السورية إلى لبنان مما أدّى إلى ازدهار السوق اللبناني باستثمارات ضخمة وتوظيفات مالية كبيرة وودائع مصرفية لما يتمتع به لبنان من سرية مصرفية واقتصاد حر حتى أصبح لبنان سويسرا الشرق.

ومن عوامل ازدهار لبنان وجود جامعات وإرساليات مثل الجامعة الأميركية AUB التي تأسست عام 1866 وجامعة القديس يوسف (اليسوعية) التي تأسست عام 1875 والجامعة اللبنانية الأميركيةLAU وكان لهذه الصروح التعلمية والإستشفائية جذب العرب ليصبح لبنان جامعة العرب ومستشفى العرب.

بعد هذا السرد التاريخي علينا أن نسأل أین نحن اليوم؟ ما هو مصيرنا في حال تطبيع العرب مع إسرائيل، أین مرفأ بيروت من مرفأ حيفا؟ أين مطار بيروت من مطار بن غوريون؟ أین مستشفياتنا؟ أين جامعاتنا؟ أین مصارفنا ومصداقيتها؟ أين السياحة؟ أين البنى التحتية؟ أین أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء ومواصلات؟ أين الأمن؟ أين الدولة في ظل الدويلة؟ أين القضاء والعدالة؟ أين لبنان الرسالة والتعددية وإلتقاء الحضارات؟ أين أصبحت علاقتنا مع أخوتنا العرب؟ أين أصبحت علاقتنا بالغرب والشرق؟ نهبوا البلاد ورهنوا العباد بإسم المقاومة والممانعة ولم يبقَ من لبنان سوى الأطلال فعلا نهاية مأساوية لبلد النور وعاصمته بيروت أم الشرائع.