الجمعة 15 تشرين الأول 2021

ما بعد الدروس المستفادة من غزة

تستمر مفاعيل الحرب المحدودة التي عاشتها الأراضي المحتلّة وقطاع غزة لمدة أحد عشر يوماً بالرغم من التوصل لوقف النار، بما يتجاوز أبعاد أرض المعركة الجغرافية وما يحيط بها. السمات الجديدة التي قدّمتها هذه الجولة الميدانية وما تلاها تتجاوز الجوانب الإنسانية والأمنية/التقنية التي غالباً ما كانت الأساس في توقف القتال أو التوصل إلى هدنة هشة ما تلبث أن تتآكل بفعل الجنوح الإسرائيلي للعدوان والتغاضي الدولي الذي يشجع على المضي به. وليست المقارنة ههنا من قبيل الدخول في نظرية السيناريوهات المسبقة الإعداد، بل من قبيل تطور عناصر الصراع وظروف الأطراف المشاركة فيه والتبدّل في ميزان القوى الذي يبدو ملزماً لإرساء قواعد جديدة قد تمهد لوضع جديد. 
انكفاء طهران قيادة وأذرعاً عن المشاركة في الحرب على المستوى العسكري أو اللوجستي كما على المستوى التعبوي، لجهة التحفيز على القتال أو التوعد بالرد في أماكن أخرى، بدا خارجاً عن السياقات المألوفة في ظروف مماثلة. العراضات الشعبية بالقرب من الحدود اللبنانية وإطلاق صواريخ مجهولة الهوية، والمكالمات الهاتفية بين قائد فيلق القدس إسماعيل قآني ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنيّة ورسائل الشكر لإيران من حركتيّ حماس والجهاد الإسلامي لم تستطع تبديل المشهد. بدا مقنعاً أنّ أجواء مفاوضات فيينا الدولية والدقيقة والانخراط الدولي في متابعة الوضع الفلسطيني رسما حدود المناورة الإيرانية ووضعا قيوداً على أي محاولة للعبث في الملف الفلسطيني. 
جملة عناصر جعلت الحذر الإيراني سلوكاً له ما يبرره، منها تصاعد التركيز الدولي غير المسبوق على النشاطات غير المشروعة لطهران وأذرعها في بحر العرب لجهة تهريب الأسلحة والمخدرات، أو في البحر الأحمر والمتمثلّة بالخطر على الملاحة الدولية، هذا بالإضافة إلى الصعوبات المتصاعدة التي تفرضها الولايات المتّحدة في فيينا والتي أرهقت طهران وأخرجتها مراراً عن اتّزانها وثباتها المعهود. هذا بالإضافة إلى تصاعد المواجهات مع الميليشيات الإيرانية في العراق والحملات التي يطلقها رئيسا الجمهورية والحكومة الداعية إلى التحقيق في الفساد واستعادة الأموال العامة المنهوبة في اتهام مباشر لطهران.
سمة أخرى لا بدّ من الإشارة إليها لدلالاتها التي تتجاوز تثبيت وقف النار، هي انضباط التدخل العربي تحت مظلة واحدة تشاركتها جمهورية مصر العربية مع الولايات المتّحدة. تعويم حلّ الدولتين بشكل واضح من قِبل الرئيس جو بايدن والزيارة التي يبدأها اليوم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن لمصر والسلطة الفلسطينية والأردن وإسرائيل، يرسلان أكثر من إشارة تفضي لإعادة القضية الفلسطينية إلى كنف المجتمع الدولي. واشنطن التي لم تتوانَ عن المجاهرة والتنويه بحصريّة الدور المصري في التواصل مع الفريقين المتقاتلين للإشراف على الهدنة، لم يأتِ من فراغ وإنما أتى نتيجة تراكم للثقة حققته الدبلوماسية المصرية بثبات الموقف والقدرة على التواصل والتفاوض الهادئ مع الجهات الإقليمية كافة، وإتقان السير على حافة الهاوية بالرغم من دقة التّحديات. هذا ما أظهرته الدبلوماسية المصرية في ذروة التأزم مع تركيا على خلفية المرتزقة في ليبيا، ومع قطر في ملف الإخوان المسلمين، وما تكرّس في التفاوض مع أثيوبيا في ملف سدّ النهضة. تستشعر واشنطن اليوم الحاجة إلى شريك إقليمي يركن إليه وقد أرادت تكريس اعتراف دولي بدور مصر ليس على غزة التي تشكّل جزءاً من الأمن القومي المصري، بل في الداخل الإسرائيلي أيضاً. نجاح مصر في التوصّل إلى هدنة طويلة والتأسيس لعملية سياسية، إلى جانب الإلتزامات الدولية والإقليمية التي تلامس القضية الفلسطينية من موقع مختلف، يشكّل عنواناً جديداً لشراكة أميركية عربية، وقد يمنح اتّفاقات أبراهام فرصة للحياة بعد أن أظهرت أحداث غزة أنّ قابليتها للحياة غير ممكنة من دون حلّ للقضية الفلسطينية.
ترسم صعوبة الظروف التي تمرّ بها طهران في ميادين نجاحاتها المألوفة مشهداً متكرراً. لا يختلف انسداد الأفق أمام طهران وربما لاحقاً إخفاقها في سوريا عنه في العراق، أو في اليمن أو في لبنان مع اختلاف ظروف كلّ منها. القاسم المشترك بين كلّ الساحات هو تحقق طهران أنّ ميليشياتها التي نجحت في تعميم ظاهرة الفوضى والإخفاق السياسي حيث حلّت، أخفقت في تصدير الثورة. الأخطر من ذلك أنّ هذه الميليشيات وبحكم تطورها واستقلالية تمويلها وتنوّع البيئات المجتمعية التي انبثقت منها أصبحت خارج السيطرة المركزية، وهذا ما ظهر جليّاً بعد اغتيال قائد فيّلق القدس قاسم سليماني. 

يضيف اختبار غزة وصعود مصر كطرف إقليمي يُعتمد عليه، درساً جديداً لطهران، التي يبدو أنها ذاهبة لوضع استراتيجية جديدة للتعامل مع المستجدات في المنطقة. ويشير تقرير نشرته وكالة «رويترز» منذ أيام إلى مباشرة طهران في ترشيق وجودها الميليشياوي في العراق، بتشكيل فصائل صغيرة ونخبويّة تتمتع بمزايا تكتيكية ومخلصة بشدة تُغني عن الاعتماد على مجموعات كبيرة بعد الانتكاسات التي مُنيّت بها. 
يستحق تقرير «رويترز» التساؤل عن إمكانية نقل التجربة إلى لبنان وتداعياتها على الاستقرار الوطني في ظلّ تحلل الدولة والاستقلالية الاقتصادية والسياسية والأمنية التي يتمتع بها حزب الله
    
  * مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات
العميد الركن خالد حمادة