الأحد 28 تشرين الثاني 2021

لبنان والسياسة الخارجية المفقودة والعروبة «القرداحية»


النهار الاخباريه بيروت 

الإختلاف الداخلي حول السياسة الخارجية موجود في كل البلدان. في هذا لبنان لا يشكل استثناء. «ميزته» بالأحرى أن السياسة الخارجية هي المركز المستدام للإنقسام الداخلي فيه، ومنذ ظهوره الكياني. لأجل ذلك أيضاً ليس ثمّة بالنسبة إلى لبنان من زاوية تُعتَمَد تصلح للفصل فيه بين داخل وخارج. في البلدان المختلفة، تكون هناك سياسة خارجية معتمدة يزاولها من في الحكم، ويكون هناك معترضون عليها. وفي بلدان غير قليلة أيضاً يحدث تجاذب بين الدبلوماسية وبين العسكر، وتحصل التوترات بالنتيجة تحت هذين العنوانين العريضين. لبنان بمنأى عن كلا الأمرين. ليس هناك انقسام فيه حول سياسة خارجية معتمدة، أو بين حسابات دبلوماسيين وحسابات عسكريين وأمنيين، بل هي السياسة الخارجية نفسها التي تظهر كمنقسمة على نفسها، هائمة على وجهها، تأتي بالشيء ونقيضه، تفرقع من داخلها، ليس لها داخل، ليس لها وجه يرتسم فيه الحدّ الأدنى من المعالم. في ظل الجمهورية الأولى، قبل الحرب، كانت الأمور لمرحلة من الزمن أكثر لطفاً، لسنوات قليلة في الأربعينيات، إلى ان ظهرت هشاشة ذلك في الخمسينيات، على خلفية القسمة بين المتفاعلين إيجاباً مع مصر الناصرية، لا سيما بين المسلمين، وبين المائلين شطر «حلف بغداد»، أي المناخ الغالب على المسيحيين. ظهر حينها عدم كفاية ميثاق «لا احتماء بفرنسا، ولا مناداة بالوحدة مع سوريا» المعقود لحظة الاستقلال عن فرنسا عام 1943، وهي لحظة «منكّهة» بريطانياً. وعدم كفاية مشاركة لبنان في حرب فلسطين 1948 عندما يتّصل الأمر بمآل الصراع العربي الإسرائيلي بعد ذلك. أعيد ترميم «الميثاق» بالتحكم الأمني، في المرحلة الشهابية، وبسياسة واقعية تجاه جمال عبد الناصر، واحتوائية لليمين المسيحي من جهة أخرى، إلى أن ظهر مجدداً أواخر التسعينيات أن الجسم الممتلئ لآلة الدولة اللبنانية غير كاف لظهورها بمظهر دولة تعدل بالقسط بين الطوائف المختلفة، أو بين المنتمين والمتحدرين من هذه الطوائف. الشهابية سعت للموازنة بين الطابع المسيحي للدولة آنذاك، وبين طابعها كدولة فوق الطوائف. لكنه كان مسعى لكبت التناقض بين هذين الطابعين، أو مداراته، أو تأجيل استحقاقاته. لم يكن من الممكن الحجر أبداً على التناقض بين الطابع المسيحي للدولة وبين حاجتها من حيث هي دولة للظهور بمظهر مؤسسة مركزية فوق الطوائف هي نفسها التي تسعى في الوقت نفسه كي تكون جامعة للطوائف، كله في آن. انفجر البلد كله بالنتيجة على خلفية انعقاد صاعق التفجير المتصل بالخلاف على السياسة الخارجية، مع المعضلة المتصلة بالمشاركة وتوازن التمثيل، مع الرغبة في التغيير اللاطائفي بدت حكماً مطيّفة، مع انقسام أعمق بين الجماعات حول الفكرة الممكنة من هذا الكيان والنظرة المضمرة أو المتفلتة تجاه كل جماعة حيال الأخرى. مع هذا، مع كل هذا، كان هناك قبل الحرب بعضٌ من سياسة خارجية للدولة. أقرب إلى الغرب في الحرب الباردة مثلاً. أقرب إلى اليمين العربي من اليسار العربي عموماً. وعلى هذا الأساس كان يمكنك معارضة هذه السياسة الخارجية، بأن تطالب مثلاً بأن يعترف لبنان بالصين الشعبية، أو بألمانيا الشرقية. ثم ان قسمة كل بلدان الكوكب على خلفية الاستقطاب في الحرب الباردة كانت تهوّن المسائل. بيد ان ما يكابده، بل ما يحتضر به لبنان كفكرة وكتركيبة، في هذه الأيام، وبشكل مستفحل ومتصاعد، وعلى اختلاف السياق الحالي عن مرحلة الحرب الباردة، فإنه يستمدّ جذوره من تلك المرحلة.
مع أننا لم نعد في مرحلة الانقسام بين تصورين للعالم، أحدهما يقوده الاتحاد السوفييتي والثاني الولايات المتحدة الأمريكية. الصراع بين إيران والسعودية اليوم يختلف عن الصراع المصري السعودي في مطلع الستينيات. فالصراع الإقليمي الحالي لا يقدّم فيه قطب نفسه على أنه تقدّمي في مواجهة الآخر، بل يسعى فيه كل طرف لإظهار كم أن الطرف الآخر أكثر ماضوية منه، وفي هذا فارق غير كلامي البتة. هو صراع إرجاعي للحاضر إلى الماضي، وصراع في الحاضر بين ماضيين.

تواريخ متوترة

تتداخل في الصراع الإيراني السعودي تواريخ متوترة كثيرة. تاريخ متوتر بين العرب والفرس ولو كان تاريخاً متداخلاً إلى أبعد حد. تاريخ متوتر بين السنة والشيعة ولو أنه كان تاريخاً متقطعاً أبعد ما يكون عن تكرار نفسه من حقبة إلى أخرى. وأساساً، فإن بلوغ الصراع الإيراني السعودي كل هذا المدى الذي بلغه لم يكن ممكناً قبل انكفاء مصر وقبل نكبة العراق. وفوق كل هذا، يشتغل هذا الصراع في رزمة من البلدان لطالما كابرت على الانقسام المذهبي داخلها، إلى ان انتقلت من المكابرة المزمنة إلى مقاساة التضخم الدموي لهذا الانقسام. 
ولبنان، البلد الذي كان جبله منقسماً بين موارنة يشايعون فرنسا ودروز تدعمهم بريطانيا في القرن التاسع عشر، وينقسم اليوم بين المنخرطين في حلف الممانعة الإيراني السوري، وبين المائلين صوب الغرب او صوب السعودية، كان أيضا البلد الذي مرّ في القرن الماضي، بمفارقة مسيحية أساسية. ففي مرحلة الحرب الباردة، والصراع بين النظم الجمهورية العسكرية العربية وبين النظم الملكية المؤيدة من الغرب، ظهر أنه، وفي وجه العروبة الناصرية، وبدلاً من أن تتجه أكثرية المسيحيين لخطاب «ضد العروبة» ليس إلا، أو تطلق العنان لنزعة إحياء فينيقيا المؤسطرة ليس أكثر، فقد ظهر الاتجاه الغالب عند المسيحيين، كاتجاه منخرط في عملية الانحياز مع عروبة بوجه أخرى، مع عروبة الهاشميين والسعوديين في مقابل عروبة عبد الناصر.
وفيما غلب التركيز في الخطاب القومجي العربي «اليساري» على نقض الاحيائية الفينيقية، أو النغمة المتوسطية، لدى منظري اليمين المسيحي، فإنهم قلما انشغلوا بعمق الانخراط الاستراتيجي لهذا اليمين في العروبة الثانية، أي العروبة المحافظة، أو الملكية، أو اليمينية.
لقد أخذ مسيحيو لبنان مسألة الجذور الفينيقية بجدية أقل بكثير من اهتمام المصريين بعد بونابرت بالاحالة إلى الفراعنة، أو من احالة التونسيين اليوم إلى حضارة قرطاج البونيقية، أو إلى التفاتة تركيا الكمالية باتجاه الحثيين، أو إلى تقديم صدام حسين نفسه كآفاتار لنبوخذ نصر. الإحالات لجذور ما قبل عربية، كالفينيقيين والأموريين، أو موازية للعرب، كالسريان والمردة والجراجمة، بقيت في نطاق المماحكة السجالية، انما المعطى الأساسي تمثل بانخراط اليمين المسيحي في العروبة المحافظة، رغم ان هذه العروبة المحافظة ازدادت تأسلماً مع انتقالها من الهاشميين ونوري السعيد إلى الصدارة السعودية.
التبدّل حصل مع الحرب. الصراع بين التحالف الإسلامي اليساري الفلسطيني وبين أكثرية المسيحيين الذين كانوا فقدوا الأكثرية الديموغرافية في لبنان، لم يتخذ فقط طابع مناداة مسيحية للغرب للتدخل، كما حدث عام 1958، ولا يختزل في «مسألة إسرائيل» وعلاقة أحزاب الجبهة اللبنانية معها. العلامة الفارقة في مآل الصراع كانت، اضف إلى كل هذا، سعي المناخ الغالب بين المسيحيين نحو العروبة النقيض لتلك التي كان يرفع لواءها اليسار يومها. لكن، بخلاف القسمة في الخمسينيات والستينيات عندما كانت تجري الاستعانة مسيحياً بعروبة ملكية، محافظة، هاشمية ثم سعودية، فإن الاستعانة في أعوام الحرب، في وجه العروبة اليسارية، وعروبة المناخات الأكثرية لدى المسلمين في لبنان في تلك الفترة أيضا، كانت بعروبتي حافظ الأسد من جهة، والعروبة السعودية من جهة ثانية. مع وقت مستقطع لثنائي نهاية الثمانينيات (المستمر حتى تاريخه)، عون وجعجع، إلى جانب صدام حسين عشية حرب الخليج، تلك الحرب التي دفع بالنتيجة مسيحيو لبنان ثمن مشاركة العروبة البعثية الأسدية فيها، ضمن تحالف تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، لتحرير الكويت، فكان ان انعقد التفاهم السعودي السوري حول كيفية انهاء الحرب في لبنان، والتلزيم السوري للبنان من ضمن هذا التفاهم، والتفلت السوري السريع من التزامات هذا التلزيم تجاه السعودية.

شراكة سعودية سورية

ولعقود من الزمن كانت هناك شخصيات مسيحية، لنقل «مشتركة»، بين العروبتين السعودية والسورية. كانت هذه الشخصيات تشعر بالحرج، أو تداري الحرج، حين تتأزم الأوضاع بين النظامين، وتعود فتنتعش بعودة الوئام.
عاش البلد مرحلة ما بعد الحرب، عقد التسعينيات، كعقد شراكة سعودية سورية.
عملت الوصاية السورية في الوقت نفسه على المواءمة بين تلزيم الاقتصاد لوكيل السعوديين في لبنان، الرئيس الراحل رفيق الحريري، مع الاحتراز منه ومن تمدده خارج الاقتصاد باتجاه السياسة، ومن الواقع اللبناني باتجاه الواقع السوري، وهو احتراز تحول إلى بارانويا تامة بعد وصول بشار الأسد إلى الرئاسة.
تماشى ذلك مع تلزيم المقاومة في الجنوب لحزب الله الإيراني الارتباط. أيضاً بدون ان يتطرق للسياسة الفعلية، أو بالأحرى كانت سوريا لا ترغب في ان ينضوي الحزب في الحكومات، بل ان يكتفي بكتلته البرلمانية، وان يكون لا في حكومة ولا في معارضة، بل حزباً «مواكبا» للدولة الموصى عليه، ومواكباً لجهاز الوصاية في الوقت عينه. بعد جلاء الوصاية، صار السؤال يفرض نفسه عن. مدى قابلية تغلبية الحزب في الداخل بأن تسمح له بوراثة دور الوصاية نفسها.
الوصاية السورية حجّمت سريعاً الدبلوماسية اللبنانية. لم تسمح بما كان مسموحا به وقت مؤتمر مدريد من حضور مستقل للبنان على طاولة المؤتمر. من عام 1993 جرى تقويض المسار اللبناني من عملية التسوية، لصالح مقولة «تلازم المسارين» السوري واللبناني من عملية التسوية، ثم حصل ترفيع درجة التلازم إلى مقولة «وحدة المسار والمصير» بعد وصول اميل لحود للرئاسة عام 1998.
بقي هناك مع ذلك نوع من غطاء طفيف يعوض عن سياسة خارجية. هو غطاء شعرة معاوية بين السعودية وسوريا فيما يتعلق بلبنان. انسداد الأفق أمام عملية السلام مع سوريا، وانفجار عملية السلام مع الفلسطينيين، ثم محاصرة مبادرة بيروت للسلام التي كانت بالأساس مبادرة طرحها الملك السعودي الراحل عبد الله، كل هذا لم يكن مؤاتيا لاستمرار الوفاق السعودي السوري حول لبنان. فكانت مرحلة القرار 1559 ثم اغتيال الحريري، وتراجع التحكم السوري بالساحة اللبنانية لصالح كل من الإيرانيين أولا والسعوديين ثانياً.
انعاش التفاهم السعودي السوري حول لبنان لم يغب مع ذلك. حتى بعد هجوم بشار الأسد الكلامي عام 2006، عادت القيادة السعودية وطلبت من سعد الحريري ان يذهب إلى دمشق، ويبيت عند الاسد، بعد اربع سنوات على مقتل رفيق الحريري.
ومن يذكر قمة بشار الأسد، والملك عبد الله، وميشال سليمان، «قمة الاستقرار اللبناني»، عام 2010؟ حينها أتى الأسد إلى بيروت بالطائرة السعودية. هذا كله قبل نصف عام من قيام الثورة في سوريا وحصول القطيعة بين نظامها والرياض.
ومن وقتها ليس هناك أي امكانية لصياغة سياسة خارجية للبنان من أي نوع كان. لا إذا جرى ادغامها بمقولة الحياد، ولا إذا جرى البحث فيها عن انحيازات يجري اشهارها بوضوح. البلد تحت غلبة حزب الله؟ نعم. لكن لأمريكا فيه اليد الطولى أيضا. سياسته الخارجية؟ تعكس الأمرين في وقت واحد. إذا لا سياسة خارجية. كان آخر شكل ولو وهمي لها يوم كانت صدى لتفاهم سعودي سوري. وجورج قرداحي أساسا اسم لماذا ان لم يكن لهذا؟ كان واحدا من شخصيات مشتركة عديدة بين دمشق والرياض، لا بل أنه، بعد كل هذه الحملة، تراه لا يزال يتعامل مع حالته على أنه في هذا المكان نفسه.