الإثنين 6 كانون الأول 2021

كيف حقق حزب الله مكاسب سياسية كبيرة من دخول المحروقات إلى لبنان؟


النهار الاخباريه  بيروت 

أعلن حزب الله أنه نقل أكثر من مليون غالون من وقود الديزل الإيراني إلى لبنان عبر سوريا يوم الخميس 16 سبتمبر/أيلول، واحتفل بتلك الخطوة باعتبارها وسيلة لإثارة حفيظة الولايات المتحدة، مع توفير المساعدات التي تشتد الحاجة إليها في بلد يكاد يكون مشلولاً بسبب نقص الوقود.
في الوقت الذي يتعرض فيه لبنان لواحدة من أسوأ الانهيارات الاقتصادية في التاريخ الحديث، يصوَّر حزب الله نفسه على أنه المنقذ الوطني، ويتدخل حيث فشلت الحكومة اللبنانية وداعموها الغربيون.
واصطف أنصار حزب الله على الطرقات في شمال شرق لبنان مع وصول عشرات الشاحنات المُحمَّلة بالنفط. ولوّحوا بأعلام حزب الله ووزّعوا الحلوى وانطلقت أصواتهم بالأناشيد البطولية، وأطلقوا قذائف صاروخية في الهواء احتفالاً، كما تقول صحيفة The New York Times الأمريكية.

فشل السيطرة على الأزمة
سلّطت عملية تسليم الوقود- التي قال مسؤولٌ في حزب الله إنها الدفعة الأولى من إجمالي شحنات تزيد على 13 مليون غالون- الضوء على خطورة الأزمة اللبنانية، فضلاً عن فشل الحكومة في معالجتها، التي دفعها فشلها في تأمين المساعدة من أي مكان آخر إلى التحول إلى سوريا التي مزقتها الحرب، وإيران التي تعاني من اقتصاد مُدمَّر.

ويبدو أنَّ هذه الخطوة تنتهك العقوبات الأمريكية المتعلقة بشراء النفط الإيراني، لكن لم يتضح يوم الخميس، 16 سبتمبر/أيلول، ما إذا كانت الولايات المتحدة ستركز على هذه القضية. وتخضع جماعة حزب الله، التي تصنفها الولايات المتحدة منظمةً إرهابية، بالفعل لعقوبات أمريكية. وعلى الرغم من أنَّ المجموعة جزء من الحكومة اللبنانية، يبدو أنها تصرفت بشكل مستقل، بحسب الصحيفة الأمريكية.
وقالت السفيرة دوروثي شيا لموقع Al Arabiya English: "لا أعتقد أنَّ أي شخص سينسحب من المسؤولية، إذا استطاع شخص إدخال الوقود المطلوب إلى المستشفيات".
غابت الدولة وظهر حزب الله
وسلّط وصول القافلة الضوء على الغياب شبه الكامل للدولة اللبنانية؛ إذ لم تشارك الهيئات الحكومية المُكلّفة بالإشراف على واردات الطاقة في التسليم. وانطلقت الشاحنات من سوريا إلى لبنان عبر قطعة أرض مفتوحة، وليس عبر معبر حدودي رسمي، دون جمارك أو تفتيش أمني. ولم يتضح ما إذا كان للواردات أي ترخيص قانوني، أو ما إذا كانت ستُدفَع أية ضرائب عليها.
ولم يُدلِ رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، الذي شكَّل حكومة جديدة هذا الأسبوع، وتعهد بالعمل على تهدئة المحنة التي تمر بها الدولة، بأي تصريح علني بشأن شحنة وقود يوم الخميس. كما لم تفعل السلطات المشرفة على الحدود.
فيما قال إلياس فرحات، وهو جنرال متقاعد في الجيش اللبناني، إنَّ "البلاد تواجه أزمة خطيرة؛ لذا فإنَّ الحكومة لا تهتم بما إذا كانت الشاحنات دخلت بطريقة قانونية أو غير قانونية. نحن في حالة طوارئ".

ويقدَّر موقع TankerTrackers.com، وهو مجموعة تتعقب شحنات النفط العالمية، أنَّ الشحنة تحمل أقل من ثمانية ملايين غالون.
أدت أزمة الوقود إلى مواجهة من نوع ما بين حزب الله وحلفائه والولايات المتحدة حول من يمكنه التصرف أسرع لتخفيف آلام الناس، وهي منافسة فاز بها حزب الله، على الأقل في ذلك اليوم.
وكانت كل خطوة تقريباً في رحلة الوقود تلك بمثابة تحدٍ للولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على صادرات النفط الإيراني، والحكومة السورية، وحزب الله والشركة المرتبطة به التي ستوزع الوقود داخل لبنان.

من جانبه، قال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، إنَّ الوقود دفع ثمنه رجال أعمال لبنانيون، لم يكشف عن أسمائهم، وستتبرع الجماعة بمعظمه لمؤسسات تشمل المستشفيات الحكومية ودور رعاية المسنين ودور الأيتام والصليب الأحمر اللبناني والمنظمات العاملة في توزيع المياه.
وأضاف أنهم سيبيعون أيضاً وقوداً بسعر مخفض للمستشفيات الخاصة ومصانع الأدوية والمخابز ومحلات السوبر ماركت وشركات الكهرباء الخاصة.
وقال نصر الله، في كلمة يوم الثلاثاء 14 سبتمبر/أيلول: "هدفنا ليس التجارة أو الربح، بل تخفيف معاناة الناس".
وأشار أيضاً إلى أنَّ ثلاث سفن إيرانية أخرى، إحداها تحمل بنزيناً واثنتان محملتان بالديزل، كانت في طريقها إلى سوريا.

"انقلاب" سياسي لحزب الله

وفي هذا السياق، قالت جيسيكا عبيد، مستشارة سياسات الطاقة والباحثة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط، إنَّ المليون غالون التي أبلغ حزب الله عن جلبها يوم الخميس لم تكن كبيرة بالنسبة لاحتياجات البلاد، لكنها يمكن أن تساعد المؤسسات الفردية.
وأوضحت أنَّ مُولِّد المستشفى، على سبيل المثال، قد يحرق حوالي 26 غالوناً في الساعة.

لكن التدخل حيث فشلت الدولة اللبنانية كان بمثابة انقلاب سياسي لحزب الله، الذي تلطخت صورته بوصفه مدافعاً عن الأمة بسبب مشاركته في الحرب الأهلية في سوريا ومعارضته لحركة احتجاج شعبية سعت إلى إنهاء الفساد الحكومي.
واتهم حزب الله الولايات المتحدة بالمسؤولية عن أزمة لبنان الاقتصادية، زاعماً أنها تفرض حصاراً على لبنان. وفي الواقع، تركز عقوبات الولايات المتحدة أكثر على حزب الله وحلفائه، وليس على الدولة اللبنانية، التي يشكل خللها وفسادها أساس الأزمة.

لكن حزب الله صوَّر وصول القافلة يوم الخميس بعبارات بطولية، قائلا إنها "كسرت الحصار الأمريكي"، وهو خط تفكير سيقبله الكثير من اللبنانيين على الأرجح.
وعلَّق مهند حاج علي، الزميل في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت: "هذا يغذي التصور بأنَّ حزب الله قد انتصر في معركة المثابرة ضد الحصار الأمريكي، وهذا النوع من التفكير هو ما تحاول المنظمة أن تعكسه".
وبعد إعلان نصر الله، قالت سفيرة الولايات المتحدة دوروثي شيا إنها تعمل على وضع ترتيب آخر للمساعدة في حل أزمة الطاقة في لبنان. ويدعو هذا الترتيب إلى إرسال الغاز الطبيعي من مصر إلى الأردن، ثم نقله إلى لبنان عبر خط أنابيب يمر عبر سوريا.
وقد يُشكِّل ذلك تحدياً آخر للولايات المتحدة، التي تفرض عقوبات على أي شخص يتعامل مع الحكومة السورية.
بيَّد أنَّ معاناة اللبنانيين العميقة جعلت من غير المحتمل أن تعاقب الولايات المتحدة أي شخص لقبول الوقود الإيراني الخاضع للعقوبات.
وقال الحاج علي: "لست متأكداً من مدى استعداد الولايات المتحدة للمخاطرة بفرض عقوبات على السكان المحتاجين. هذا من شأنه تصوير الولايات المتحدة على أنها قاسية ومتشددة، وهذا انتصار لحزب الله".