الخميس 9 كانون الأول 2021

العواقب المروعة للأزمة المالية في لبنان أضخم من أن يتجاهلها العالم


الحل للمشاكل الكثيرة ليس واضحاً على الفور لكن عدم القيام بأي إجراء يضع أموراً كثيرة على المحك
بيل ترو مراسلة شؤون الشرق الأوسط- 
تبلغ تكلفة مروحة قابلة لإعادة الشحن معروضة للبيع في محل رخيص عادة في بيروت 1.4 مليون ليرة لبنانية. وهذا المبلغ يبلغ نحو ألف دولار (723 جنيهاً استرلينياً)، وفق السعر الرسمي للصرف.
ألف دولار تقريباً. ولمن يتقاضى الحد الأدنى للأجور، يزيد المبلغ على راتب شهرين. في مقابل مروحة لعينة واحدة.
لا تتميز هذه المروحة بأي مواصفات خاصة غير أنها قادرة على العمل على بطارية قابلة لإعادة الشحن، وهذا حيوي وضروري الآن إذ تحصل نواحٍ من بيروت على ساعة أو ساعتين يومياً من الطاقة الكهربائية من الشبكة الوطنية.
لذلك، فالطلب عليها مرتفع، إذ يتصبب الناس عرقاً في الظلام الدامس أثناء الحر. وهي مستوردة، ما يعني أن تكلفتها مهما بلغت مقومة بالدولار، وهي تكلفة كبيرة.
والمروحة فحسب مجرد مثال على مدى شدة أزمة العملة الآن في لبنان. وهو واقع، وفق البنك الدولي، بين براثن واحد من أسوأ الانهيارات الاقتصادية في التاريخ الحديث. وأفادت المؤسسة العالمية بأن الانهيار كان مذهلاً في شكل خاص لأن انكماشاً وحشياً كهذا يحدث عادة بسبب حرب أو نزاع، ووصفته بأنه "ركود متعمد" ملقية باللائمة على النخبة الحاكمة.
فقد خسرت الليرة اللبنانية نحو 90 في المئة من قيمتها منذ بداية العام الماضي، ولا تزال تواصل الانخفاض، فقد هبط سعر الصرف في السوق السوداء إلى 17 ألف ليرة للدولار، على الرغم من أنه لا يزال مربوطاً [محدداً] رسمياً عند ألف و500 ليرة.
وبالقيمة الحقيقية يعني هذا أن مروحة تكلف ما يقرب من ألف دولار، وأن المواد الغذائية أصبحت باهظة التكاليف إلى حد يجعل العائلات غير قادرة على تحمل تكاليفه بعد الآن (ارتفعت أسعار الغذاء أكثر من أربعة أضعاف خلال السنة الماضية).
وفي الواقع، حذرت وكالة الأطفال التابعة للأمم المتحدة هذا الأسبوع من أن ما يقرب من 80 في المئة من العائلات لا تملك المواد الغذائية أو المال لشرائها، وفي أوساط الأسر السورية النازحة تبلغ هذه النسبة 99 في المئة.
وفي سبيل توضيح الصورة، [نذكر] أن في لبنان أعلى عدد من اللاجئين نسبة إلى عدد السكان على مستوى العالم، فهناك ما يقدر بنحو 1.5 مليون لاجئ سوري في البلاد التي لا يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين، فضلاً عن عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين. وفي بداية هذا العام، كان برنامج الغذاء العالمي قد أصدر بالفعل تحذيرات من مجاعة في البلاد وجارتها سوريا، التي يرتبط مصيرها على نحو لا ينفصم بمصير لبنان.
لكن تكاليف المواد الغذائية ليست وحدها ما يبعث على اليأس. فالبلاد تعاني نقصاً شديداً في الوقود والطاقة [الكهربائية]. وليس من غير المألوف أن نرى أشخاصاً ينامون في سياراتهم بين عشية وضحاها في محطات البنزين لكي يحصلوا على قطرات الوقود القليلة المتبقية.
وفي بيروت وأجزاء أخرى من البلاد، تحصل الأسر على ما لا يزيد على ساعة واحدة من الطاقة من الشبكة الرئيسة. وبلغت فاتورة مولدي الشهر الماضي عندما لم أكن حتى في البلاد 1.5 مليون ليرة، وهو ما يعادل ألف دولار بالضبط وفق سعر الصرف الرسمي (أو 90 دولاراً – 65 جنيهاً – في السوق السوداء).
كذلك، فإن إمدادات الأدوية والأغذية المستوردة قليلة. وقد طلب مني أحد الأصدقاء اليائسين جلب مضادات للهيستامين للأطفال معي [حين العودة من الخارج] لأن من المستحيل العثور عليها في الصيدليات.

تتجذر الأزمة الاقتصادية في عقود من سوء الإدارة والفساد المزمنين. وتفاقم الوضع مع وصول جائحة فيروس كورونا الذي أثر في الشركات وخنق التحويلات المالية المطلوبة بشدة.
ثم في أغسطس (آب) انفجرت آلاف الأطنان من المتفجرات المخزنة في شكل رديء في ميناء بيروت، فأسفرت عن مقتل أكثر من 200 شخص وتدمير قطاعات من العاصمة، الأمر الذي راكم مزيداً من الضغوط.
وكانت شخصيات سياسية رفيعة المستوى، بما في ذلك الرئيس، على علم بالمخزون الخطير، لكنها لم تفعل أي شيء [لم تحرك ساكناً] حياله. ثم استقالت الحكومة بعد ذلك بفترة وجيزة، لكن الأحزاب الحاكمة لم تتمكن من الاتفاق على حكومة جديدة، وهكذا كانت البلاد خلال السنة الماضية بلا من يوجه دفتها أثناء سقوطها الحر.
ومن بين الأسئلة التي كثيراً ما تطرح عليّ: "لماذا ينبغي للعالم أن يهتم؟".
بعيداً عن الأسباب الإنسانية بالغة الوضوح والمهمة، وعلى الرغم من أنه بلد صغير مضطرب مطل على البحر المتوسط، يشكل لبنان من غير شك محوراً للاستقرار في المنطقة. فعلى مدى العقد الماضي كان بمثابة صمام أمان لسوريا المجاورة التي خربتها الحرب، فقد كان ملاذاً آمناً للاجئين، الذين يعيش أغلبهم الآن في فقر مدقع وهم على الخطوط الأمامية في مرمى أمام أزمة مجاعة تلوح في الأفق.
والاقتصادان في البلدين متشابكان على نحو لا ينفصم. فالملايين، إن لم يكن المليارات، من الدولارات من الأموال السورية مودعة وعالقة الآن في مصارف لبنان التي كانت ذات يوم أكثر أمناً، والتي فرضت قيوداً مشددة إلى حد مخيف بسبب خشيتها من هروب رؤوس الأموال والأزمة الحادة للعملة الصعبة. وكان لبنان ذات يوم نافذة سوريا إلى العالم الخارجي، لكن في ظل أزمة الدولار لم يعد ذلك ممكناً [وخسر هذا الدور].
فلبنان، الذي خربته حرب أهلية مدمرة دامت 15 سنة بين عامي 1975 و1990، منقسم بشدة بين الجماعات الدينية (المدججة بالسلاح في كثير من الأحيان)، والتي لا تستعر التوترات بينها إلا حين تشتد مصاعب العيش، ما يثير مخاوف من اندلاع نزاع مدني آخر.
وهذا لن يؤدي إلا إلى مزيد من تمزيق أوصال [زعزعة] المنطقة، وسيقلق حتماً إسرائيل الواقعة جنوباً، والتي خاضت حرباً ضد تنظيم "حزب الله" اللبناني المسلح عام 2006.
وبدأ العنف في الانفجار بصورة متقطعة بالفعل. قبل بضعة أيام فقط تُبودلت مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت انكفاء الجيش اللبناني في مدينة طرابلس الأكثر فقراً في البلاد مع تجول سكان يائسين مسلحين بالأسلحة الرشاشة حول وسط المدينة وهم يطلقون النار في الهواء. وفي نهاية المطاف، عاد الجنود إلى السيطرة، لكن الجيش اللبناني نفسه يعاني الأزمة الاقتصادية، ويعاني الجنود أيضاً من الجوع.
والسؤال الأكبر هنا ليس لماذا علينا أن نأبه [بمصير البلد]، لكن ماذا ينبغي أن نفعل؟ ومن الصعب أن نجيب عن هذا السؤال.
فالحلول ليست واضحة على الفور، لكن لا ينبغي للعالم أن يدير ظهره إلى لبنان. فكثير من الأمور على المحك.