الأربعاء 20 تشرين الأول 2021

الصحافة الإلكترونية الفلسطينية .. معضلة النسخ واللصق

النهار الاخباريه - رام الله
محمود برهم مدير وكالـة "معا ” شمال الضفة: "القرصنة الصحفية” ظاهرة ملفتة في المواقع الفلسطينية الإلكترونية..

 ياسر أبو هين مدير وكالة "صفا” في غزة: سرقة المواد الصحفية بدون نسب المصدر تضييع لجهود الصحفيين.

 الباحث في الشأن الصحفي والقانوني ماجد العاروري: القوانين الفلسطينية لحماية الملكية قديمة، وتحتاج لتعديل، سيما بعد ثورة المعلومات.

تعجُ الساحة الفلسطينية الإلكترونية بعشرات المواقع الاخبارية المحلية، التي تهتم بالقضايا الفلسطينية وغيرها، وفي ظل انتشار ظاهرة "القرصنة الصحفية” و”السرقة المعلوماتية” و” النسخ واللصق”، بات من المهم الوقوف على هذه الظاهر للحد منها من خلال مناقشتها مع صحفيين فلسطينيين ومختصين بالشأن الصحفي والقانوني للوقوف على أبعاد هذه المعضلة وتداعياتها على الإعلام الفلسطيني وإمكانية الحلول.
وتنص المادة (20) من قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطينية لسنة 2018 ” كل من انتهك حق من حقوق الملكية الفكرية أو الأدبية أو الصناعية وفقاً للتشريعات النافذة، عن طريق الشبكة الإلكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار أردني، ولا تزيد على ألف دينار أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، أو بكلتا العقوبتين”

ظاهرة النسخ واللصق ملفتة في الإعلام الفلسطيني

من جهته، قال محمود برهم مدير وكالة "معا” المحلية ومقرها بيت لحم، شمال الضفة الغربية، :”إن هذه الظاهرة موجودة بشكل ملفت مقارنة مع الدولة الأخرى، لعدم وجود قانون ولا ضوابط قانونية ولا حقوق فكرية، وأن هناك مواقع "محترمة” حسب وصفه، تقتبس جزء من المعلومات أما غالبيتها فالعاملون بها "هواة” غير مهنيين.
وأكد على معاناة وكالة "معا” من عملية "القرصنة الصحفية” وأن مهنية الإعلام الفلسطيني تأثرت بشكل سلبيٍ، قائلًا ” لماذا توظف الوكالات صحفيين لطالما يدخلون المادة الصحفية بلحظات عبر النسخ واللصق” في حين أن الصحفي صاحب المصدر تستنزف المادة الصحفية منه وقتًا طويلا في الحصول على المعلومات، والمصيبة الأكبر أن الصحفي القرصان يتعامل مع الخبر وكأنه صاحب المصدر”.
وعن محاسبة المواقع التي تمتهن "القرصنة الصحفية” بين أنه "معا” لم تلجأ يومًا لمقاضاة أحد لأنه لا يوجد قوانين وحماية فكرية تعمل على أرض الواقع ولا يوجد نقابة صحفيين فاعلة”، ومن المواقع التي تمارس القرصنة لها وزنها”.

دعم الإعلام الخاص حكوميًا

وعن الحلول قال "برهم” أنه يجب على الحكومة التي تدعم الإعلام الحكومي بالملايين ويقدم جهدًا مقدرًا، أن يدعم الإعلام الخاص الذي يحمل هموم الشعب الفلسطيني لأن الإعلام الفلسطيني ككل يكمل بعضه البعض، وبمساعدة الحكومة للإعلام الخاص يستطيع أن يوظف عددًا أكبر ويقدم الدورات للصحفيين في بداية مشوراهم الصحفي على حقوق الملكية، كما نحتاج إلى قانون جديد "فلسطيني أساسي” يحفظ حقوق الملكية”.
اقرأ أيضاً: المواجهة الشاملة.. سيناريو كارثي يخشاه الاحتلال (إنفوجرافيك)
وعن كثرة المواقع الإلكترونية وإغراق الساحة الإعلامية الإلكترونية الفلسطينية بها قال "انتشار المواقع ظاهرة إيجابية من حيث المبدأ، ولكنها تحتاج إلى تنظيم، فنحن لا نعلم من الجهة المسؤولة عن بعض المواقع ولا رئيس تحريرها، فحين تنشر في ظل "الفوضى الإعلامية” فسلبيتها أكبر من إيجابها، والمواقع الحزبية ساهمت في هذه الفوضى لانسياقها في دوائر الشتم والاتهام الخطير على المستوى الوطني والأخلاقي”.

آفة إعلامية

وعدّ مدير تحرير وكالة "صفا” ياسر أبو هين، والتي تصدر في غزة، أن ظاهرة "السرقة الصحفية” آفة من آفات الإعلام بشكل عام، والفلسطيني على نحو خاص، وأن السرقة تتعدى المواد المكتوبة إلى الصور والمواد الصحفية المرئية.
وأسِف خلال حديثـه لـ "زوايا” لممارسة الكثير من المواقع هذه الظاهرة مبينًا أنه تضيع جهود كبيرة تبذلها المؤسسات من أجل الحصول على معلومات حصرية من أجل تقرير أو مقابلة.
ورصد "أبو هين” حالات سرقة لمواد تنشرها وكالة "صفا” تتم سرقتها بسرعةٍ فائقةٍ، لافتًا أن هناك عملية رصد ومتابعة من بعض صحفيي المواقع الذين ينسخون المادة ويلصقونها في مواقعهم دون الإشارة للمصدر.. قائلًا ” والمصيبة الأكبر أن بعض المواد المسروقة تظهر على محركات البحث في المواقع الناسخة قبل المواقع صاحبة المصدر”.
ووصف المواقع السارقة للمواد الصحفية بـ "انعدام المسؤولية الأخلاقية وعدم التخلي بأخلاق المهنة ويفتقدون لأسس أبجديات العمل الصحفي”، منوهًا إلى موقعًا إخباريًا عريقًا يكاد لا يمر يوم إلا ويأخذ مواد صحفية من "وكالة صفا” دون الإشارة للمصدر، والهدف الحصول على أكبر عدد من المتابعين والزوار بسرقة الجهد وإنتاج عمل مواقع أخرى، دون أدنى وازع.
وعن أبرز تداعيات هذه الظاهرة قال "أبو هين” "هذه الظاهرة تفتح الباب لأدعياء العمل الصحفي، والذين ليس لهم علاقة بالمهنة أن ينشئوا مواقع إخبارية، لطالما الأمر سهلًا لهذه الدرجة في النسخ واللصق.. إضافة إلى ضياع المصدر ولا سيما في ظل التكنولوجيا والتلاعب بالوقت والتاريخ لنشر هذه المواد”

مراجعة.. هل تؤتي ثمارها؟

وراهن "أبو هين” في معالجة هذه الظاهرة على المراجعة الشخصية والمراجعة المؤسساتية للمواقع السارقة للمواد الصحفية، مبينًا أن هناك من استجاب وهناك من كرر الأمر وأن هناك مواقع تمارس هذه السياسة برمتها بنسخ المادة كلها بالأخطاء اللغوية والمطبعية وينسب المادة لموقعـه دون أدنى فائدة من المراجعة، أما بخصوص المراجعة القانونية فلم تقاضِ أحدًا.
وطالب بميثاق شرف وحفظ لحقوق الملكية والنشر، يضمن لكل مؤسسة حقها في موادها المنشورة، وتفعيل الأطر الرسمية الغائبة عن قضايا أكبر من الظاهرة، مثل نقابة الصحفيين ووزارة الإعلام والمكتب الإعلامي الحكومي التي طالبها بوضع حد لهذه الظاهرة التي أشعرت العديد من الصحفيين المهنيين بـ "الملل”.
وعن اكتفاء بعض المواقع بالتغطية الخبرية فقط دون التطرق للتفسير والاستقصاء قدّر "أبو هين” بأن ذلك ليس عيبًا، وأن العديد من المؤسسات الصحفية تعمل ضمن إمكانياتها المادية والبشرية، وأن تكون المواد المنشورة خاصة بها، مشيرًا إلى ضرورة "الصحافة المتخصصة” بالتحقيقات والتقارير والقصص الإنسانية التي من المفترض أن يتمتع بها الإعلام الفلسطيني والمواقع الإلكترونية الفلسطينية.
اقرأ أيضاً: تحديات تواجه الاذاعات الفلسطينية في التأثير على الرأي العام
وعن إغراق الإعلام الفلسطيني بالمواقع الإخبارية، قال: "ليس عيبًا أيضًا عملية التوسع المؤسساتي ولكن يجب ألا تكون على حساب المضمون والمادة التي تقدمها تلك المواقع، وليس العيب أن يكون هناك عشرات المواقع مع تقديم محتوى مفيد على الصعيد الوطني ويتناول احتياجات المواطن وقضايا حقيقية تمس مصلحته، لكن المشكلة في تعزيز ظاهرة النسخ واللصق والتكرار”.

مدراء المواقع يتحملون المسؤولية

من جهته، أكد المختص في الاعلام الالكتروني الصحفي عبد الهادي عوكل، أن ظاهرة القرصنة الصحفية، من خلال "النسخ واللصق” باتت ظاهرة مؤرقة وتعكس مدى معاناة هذه المؤسسات وعدم قدرتها السيطرة على طاقمها الصحفي، الذي يعاني من ظروف مالية صعبة، وعدم استقرار وظيفي، وراتب منتظم، لا يلبي أصلاً احتياجاته، وعدم إقدام تلك المؤسسات على تطوير الكادر وتحفيزه على التميز في العمل ومكافأته. محملاً مسؤولية هذه الظاهرة لمدراء المواقع الالكترونية.
وأوضح عوكل، أنه وخلال إعداده دراسة علمية حول مصادر الأخبار في الاعلام الالكتروني الفلسطيني لعدد من المواقع الالكترونية الاخبارية في فلسطين، تبين له مدى عمق هذه الظاهرة، والتي بات من الضروري وضع الحلول لها، من خلال اجراءات تشرف عليها نقابة الصحفيين والأطر الصحفية، تكون بمثابة ميثاق شرف للمواقع الالكترونية الفلسطينية، ومن لم يلتزم بها يتم اتخاذ إجراءات ضده تصل لإغلاق الموقع الالكتروني.

الوضع القانوني لـلقرصنة الصحفية

وقال الباحث في الشأن القانوني والإعلامي ماجد العاروري أن هناك نوعين من الكتابة كتابة تصدر عن مؤسسات مثل الأبحاث وغيرها، والمادة المكتوبة عبر وسائل الإعلام ومنها المواقع الإلكترونية، مبينًا أن المادة التي يكتبها الصحفي تبقى له وليست للمواقع التي ينشر فيها، إلا إذا وقع الصحفي على "تنازع ملكية الفكرية”، مضيفًا” في المقابل فالأبحاث العلمية التي تنشر عبر المؤسسات ليست للشخص الكاتب بل المؤسسة”.
وبين خلال حديثه لـ "زوايا” أن النسخ عندما يكون خارج اتفاق الطرفين، فإنه يخضع لمجموعةٍ من الاشتراطات في مقدمتها حقوق النشر وفق قوانين البلد التي تصدر منها المواقع الإلكترونية والمواد الصحفية.
ووصف المواقع الإلكترونية التي تنسخ دون مبالاة ودون نشر المصدر بـ "عدم احترام المهنية” و”مخالفة لقواعد النشر” حيث تنسخ المواد وتلصقها عبر مواقعها الإلكترونية، وحتى لو ذكر المصدر فيجب أن يكون النقل معتدلًا وليس حرفيًا.
وأوضح أن المواد المنشورة عبر "منصات التواصل” شأن عام ولا تحتاج لإذن خاص من الناشر، وتصبح ملكًا عامًا، أما في حال نقل المادة كاملة "نسخ المنشور” فيجب أن يتم ذكر اسم الكاتب.

قوانين قديمة بحاجة لإصلاح

واعتقد الكاتب أن القوانين الفلسطينية لحماية الملكية قديمة، وتحتاج لتعديل، سيما بعد ثورة المعلومات وانتشار المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لتحديد قواعد أكثر وضوح للملكية الفكرية.
وأوضح أن النقل السريع أضعف المواقع الإلكترونية بشكل كبير جدًا، وصعّب مهمة الوكالات الإخبارية في الأبداع، مشيرًا إلى حالات كثيرة حيث ما يلبث الصحفي أن ينشر تقريرًا خاصًا حتى ينشر على مواقع كثيرة وبدون فارق زمني، مؤكدًا أن ذلك اعتداء على الملكية الفكرية.
ونوّه إلى أن نقل المواد الصحفية المحكوم بفوائد تجارية، ويجني أرباحًا من المواد الصحفية، يصبح هذا الربح التجاري مخالف للقانون وغير مقبول على الإطلاق، وبإمكان صاحب المادة الأصلي ملاحقة الناقل، لافتًا أن النقل يكون لغرض علمي وليس تجاريًا.

تداعيات سلبية

وعن تداعيات ظاهرة القرصنة الإعلامية والصحفية شدد أن لها تداعيات سلبية، وتضعف المواقع الإلكترونية، التي تنتجُ مواد خاصة من تقارير ومقابلات وتقارير وتبذل جهدًا كبيرًا، مشيرًا أنه من الممكن في هذه "الفوضى الإعلامية” انتعاش مواقع النسخ واللصق التي تمتهن "سرقة المعلومات” وتحسن مواردها الاقتصادية وازدياد قرائها على حساب أصحاب المواقع صاحبة المصدر.
ووفقًا للمادة (8) من قانون رقم (9) لسنة 1995 بشأن المطبوعات والنشر ينص على عدم استغلال المادة الصحفية للترويج لمنتوج تجاري أو الانتقاص من قيمته.
وقال "نحن بحاجة لرزمة تشريعية، تحمي ملكية وسائل الإعلام بالمواد الخاصة، وأن تكون هناك قيود واضحة جدًا حتى لو ذكر المصدر أيضًا، وإلزام المواقع بـ "أخلاقيات مهنة الصحافة”.
وعن عدد المواقع الإلكترونية الفلسطينية قال "العاروري” "هناك حالة من الضعف في تسجيل الوكالات والمواقع الإخبارية الفلسطينية، وليست كلها مرخصة وينطبق عليها قانون المطبوعات والنشر وتلتزم بها، وهناك تداخل بين وسائل الإعلام والصحف التي أصبح لها مواقع إلكتروني، فوضى عارمة في المواقع الإلكترونية وضعف في القوانين وصعوبة في حصرها وضمان حقوق الأشخاص”.
واعتبر المواقع الإلكترونية التي تنتج مواد صحفية وتحليلات وتحقيقات استقصائية قليلة، بالمقارنة مع المواقع التي تتناول السياسة الإخبارية فقط، مطالبًا بصحافة متخصصة في عملية الكتابة في المقالات والتحقيقات الاستقصائية والتخصص على المستوى المهني.