الأحد 24 تشرين الأول 2021

إسرائيل ما زالت تمنع نشر مستندات تاريخية خاصة بجرائم حرب 1948


النهار الاخباريه  القدس
كشف معهد دراسات إسرائيلي مختص بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي أن إسرائيل تواصل عمليات الإسكات والتعتيم على جرائم ارتكبت في حرب 1948 منوها لوجود كميات كبيرة منها طي الكتمان.
ويؤمن معهد "عكافوت” بضرورة فضح المستندات وتقديم الحقائق التاريخية المختصة بالصراع لأن ذلك يسهّل عملية تسويته وبذلك يتطابق مع كتاب إسرائيلي جديد وضعه الجنرال في الاحتياط شاؤول أرئيلي حول الأساطير الإسرائيلية التي تحتوي على بذرة من الحقيقة وطبقات سميكة من الكذب والتي تجعل من مهمة تسوية الصراع مستحيلة لأن الأجيال الإسرائيلية الصاعدة تظن أنها ضحية وأن الفلسطينيين مذنبون.
وروى "عكافوت”، الذي كشف في الشهر الماضي وثائق هامة عن فترة الحكم العسكري (1966-1948)، أنه في التاسع من نيسان/ أبريل 1948 يهاجم نحو 130 عنصرا من تنظيمي "الايتسل” و”الليحي” قرية دير ياسين بمساعدة رجال "الهغاناه” كجزء من عملية "نحشون” لشق الطريق نحو القدس.
وبعد سبعة عقود ونيف ما زالت صورة ما جرى لاحقا غير واضحة: يذكر معظم الباحثين أن 110 من سكان دير ياسين بينهم نساء وشيوخ وأطفال قد قتلوا برصاص المقاتلين اليهود لكن السؤال هل وقعت هناك مجزرة أو معركة بقي محط خلاف”.
ويذكر "عكافوت” أن الصور التي وثقّت فظائع دير ياسين ما زالت محجوبة، معتبرا أن الضباب الذي يلف هذه القضية هو جزئيا نتيجة عمل "لجنة الوزراء لشؤون وثائق الأرشيف السرية”، منوها أن عددا قليلا فقط سمعوا بهذه اللجنة التي تعمل من أجل حجب مستندات تاريخية مرتبطة بالقضية الفلسطينية ما زالت تعتبر حساسة بعيون إسرائيل.
والآن يتم للمرة الأولى الكشف عن قائمة هذه الوثائق التي تشمل أيضا موضوع طرد العرب من فلسطين في 1948 وارتكاب جرائم حرب فيها. وتشمل هذه المستندات وثائق تابعة لـ”وزارة الأقليات” بعضها يتعلق بتهجير العرب الذي ينعته مسؤول أرشيف الدولة بـ”أمور غير لطيفة”.
كما تشمل المستندات الجديدة "تقرير ريفتين” من 1948 ويحتوي فحصا لشبهات بتورط الهغاناه بجرائم قتل وتعذيب، ودراسة حول اللاجئين من 1964 وضعه باحثون إسرائيليون بناء على طلب رئيس حكومة إسرائيل دافيد بن غوريون حول "أسباب هروب اللاجئين في 1948″، ملف دير ياسين ويحتوي تقريرا للهغاناه حول المجزرة فيها بما في ذلك صور الضحايا.

قرارات التهجير والسلب والنهب والاغتصاب

كذلك سمح بنشر محاضر الحكومة الإسرائيلية الأولى والتي تتعلق بقرارات الطرد وتدمير القرى العربية والسلب والنهب والسرقة والاغتصاب والقتل بيد جنود "الهغاناه” والجيش الإسرائيلي وهناك أيضا عشر وثائق عسكرية من حرب 1948.
ويشار إلى أنه حسب القانون الإسرائيلي فإن رفع السرية عن الوثائق التاريخية يتم بعد 15 إلى 90 سنة من إنتاجها: مستندات الحكومة المصغرة ووزارة الأمن والجيش يكشف عنها بعد 50 سنة أما مستندات الموساد والشاباك فتبقى طي الكتمان 90 سنة من يوم إنتاجها ولكن بحال اعتبرت مستندات معينة "خطيرة ” لأمن الدولة أو لعلاقاتها الخارجية هناك إمكانية لمواصلة حظر نشرها وذلك طبقا لقرارات اللجنة الوزارية المذكورة.
وتوضح "هآرتس” أن هذه اللجنة الوزارية تجتمع في مرات نادرة وهي اليوم غير قائمة وفي تركيبتها الأخيرة شارك وزير الطاقة السابق يوفال شطاينتس ووزيرة الثقافة ميري ريغف.
وجاء الكشف عن هذه الوثائق التاريخية بعد طلب من معهد "عكافوت” المختص بالكشف عن ماضي الصراع من أجل تسهيل عمليه تسويته، وذلك استنادا لقانون حرية سريان المعلومات. ويؤكد "عكافوت” أن اللجنة الوزارية هذه تأخذ قراراتها في معظم الأحيان بموجب اعتبارات سياسية غير شرعية تتعلق بـ”صورة إسرائيل”.
ذريعة الخوف على أمن وصورة إسرائيل

ويؤكد "عكافوت” أن فرض الحظر المتواصل على المستندات التاريخية يتم بذريعة الخوف على أمن الدولة وعلاقاتها الخارجية، لافتا إلى أن اللجنة الوزارية برقابتها هذه تؤدي لتزوير التاريخ الخاص بنشوء إسرائيل وتضر بالخطاب الجماهيري والسياسي فيها.
ويشار إلى أن اللجنة الوزارية الخاصة بالوثائق التاريخية الأرشيفية أقامها رئيس حكومة الاحتلال الراحل مناحم بيغن الذي طلب وقتها حظر نشر وثائق خاصة بـ”وزارة الأقليات” التي أنشأتها حكومة بن غوريون الأولى عام 1948 وذلك لأنها تذكر طرد السكان العرب ومصادرة أملاكهم والفظائع المرتكبة بحقهم بيد الجنود الصهاينة.
وحسب "عكافوت” فقد قال مدير "أرشيف الدولة” وقتها إن الطرد تم بقرار من قادة المستوى السياسي منوها لوجود أمور "غير لطيفة” لكنه أوصى بالسماح بنشرها لعدم وجود حجة مقنعة بمنع الجمهور الواسع من الإطلاع عليها. وبدلا من فرض رأيه هذا حول المسألة للجنة وزارية قررت بخلاف موقفه ببقاء المستندات محجوبة خوفا من المساس بعلاقات إسرائيل الخارجية”.
كما يستذكر المعهد الإسرائيلي أن اللجنة الوزارية تتخذ قرارات بخلاف المطلوب بصفتها مندوبة عن الجمهور صاحب الحق بالاطلاع على ما حصل، مبينا أن اللجنة ذاتها اجتمعت في الماضي للتدارس في طلب المؤرخ بيني موريس بالسماح له بمعاينة مستندات من نهاية 1948 تشمل تقريرا للمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية الأولى يعقوب شيمشون شابيرا وضعه بناء على طلب بن غوريون من أجل فحص السؤال "إذا ما مس الجنود بحياة السكان العرب في الجليل والنقب بخلاف قوانين الحرب” خلال عملية "يوآب” وعملية "حيرام”.
فيلم سينمائي

وأوضح "عكافوت” أن مدير "أرشيف الدولة” وقتها أفرهام السبيرغ كتب مذكرة قال فيها إن التقرير الشامل للمستشار القضائي المذكور يصف "أحداثا مرعبة” فطلب من لجنة الوزراء لاحقا بالمصادقة عل طلبه ببقاء الملفات طي الكتمان تحاشيا للمساس بأمن الدولة وعلاقاتها الخارجية.
وتابع "عكافوت”: "بعد أيام اجتمعت اللجنة الوزارية بمشاركة وزير القضاء لوحده أفرهام شارير الذي قال إن الوزيرين اسحق رابين وموشيه أرنس قد "قدما موقفيهما” حيال المادة السرية وحتى اليوم لم ينشر الملف”. وقال "عكافوت” إن سنوات كثيرة مضت حتى التئمت اللجنة الوزارية هذه مجددا وكان ذلك عام 2000 حيث تم اجتماع في مكتب المستشار القضائي للحكومة للتباحث في موضوع حجب تقرير لـ”الهغاناه” حول دير ياسين ومنع نشر صور المجزرة فأجمع المجتمعون على ضرورة إبقاء "المواد الحساسة” طي الكتمان لأن الوقت غير مناسب ولأن النشر سيمس بصورة إسرائيل وعلاقاتها الخارجية.
وبعد ثماني شهور قررت اللجنة الوزارية الإبقاء على المواد مغلقة لمدة عام وفي 2002 مددت اللجنة فترة السرية بعدة سنوات.
وفي 2007 اجتمعت اللجنة الوزارية مجددا بعدما تقدمت مخرجة سينمائية إسرائيلية، نيطع شوشاني، بطلب للاطلاع على المواد السرية المذكورة فقررت اللجنة رفض طلبها لأن "الصراع ما زال مفتوحا” ومددت فترة الحجب بخمس سنوات إضافية ورفضت محكمة العدل العليا التماسا لإجبار الدولة بالسماح بالاطلاع على هذه المواد السرية، وفي 2017 مددت اللجنة الوزارية مجددا فترة السرية بخمس سنوات، حتى 2022.

الخوف من الانتقام

وفي العام نفسه 2017، قررت اللجنة الوزارية إبقاء الحجب على  "تقرير ريفتين” الخاص بانتهاكات الهغاناه خلال حرب 1948 من سلب ونهب إلى الاغتصاب، لكن مدير أرشيف الدولة يعقوب لوزبيك أبدى دعمه لنشره معللا ذلك بالقول إن إسرائيل اليوم باتت دولة قوية ولا يوجد مبررا لعدم تمكين مواطنيها من دراسة حرة لحروبها البعيدة”. لكن اللجنة الوزارية رفضت موقفه وبقي التقرير محجوبا لأن نشره من شأنه أن يؤدي لـ”عاصفة وربما عمليات ثأرية”.
معهد "عكافوت” الذي يسخر من قرار اللجنة الوزارية التي تعمل بخلاف القانون والمعايير الديموقراطية يعتقد أن هناك قصة أخرى تتمثل خلف قرار اللجنة الوزارية وتم الكشف عنها من قبله عام 2018 بفضل العثور على وثيقة مطابقة في أرشيف "ياد طبينكين” وعو ليس جزء من "أرشيف الدولة” ولذا لا تنطبق عليه تعليمات القانون واللجنة الوزارية ويضيف "عكافوت”: "يدور الآن صراع من أجل كشف 53 ملحقا سريا تابعا للملف المذكور”.

تكريس رواية إسرائيلية مزورة

ورأى "عكافوت” أن منع نشر مواد الملف المذكور لا علاقة له بالأمن وبمخاطر الانتقام وبصورة إسرائيل في الخارج بل جاء لخدمة مصالح داخلية. وأضاف المعهد في هذا المضمار: "حجب هذا الملف يثقل على عمل المؤرخين: يؤثر على الخطاب الأكاديمي والجماهيري والسياسي الداخلي في أيامنا. الحجب يأتي لتكريس الرواية الإسرائيلية المزورة حول أسس الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وبداياته ومن هنا للحجب تأثير حقيقي وحاسم على أفق إنهاء هذا الصراع”.
وأوضح "عكافوت” أن الأرشيفات الإسرائيلية تحاول مساعي الإخفاء نفسها كما حصل في "ملف المحاور” الذي كتب عام 1988 في أرشيف الجيش والذي يحاول رسم ملامح "الحساسية الأمنية والدولانية والشخصية” المتعلقة بنشر أو حجب وثائق تاريخية.
ونجح "عكافوت” في الفترة الأخيرة العثور على هذا الملف الذي بات متقادما ولا يعمل الجيش اليوم بموجبه. ويتابع "كثير من الملفات التي تحجب ما زالت تستند على معايير "ملف المحاور”  وإن كان الجيش لا يعترف بذلك ولذا هناك ملفات كثيرة يحجبها الجيش حتى اليوم لأنها ستفضحه وتمس بصورته كجيش محتل بدون أخلاق”.