الخميس 9 كانون الأول 2021

إحياء ذكرى الانتفاضة الفلسطينية بين الفعاليات التقليدية المتقادمة وبين وسائل عصرية تثمر وعيا وطنيا


النهار الاخباريه  القدس 

”: أحيى فلسطينيون الداخل الذكرى الواحدة والعشرين لهبة القدس والأقصى بسلسلة فعاليات تقليدية وسط تراجع ملحوظ في تعداد المشاركين، رغم الأوضاع المشحونة والتوترات بينهم وبين السلطات الإسرائيلية بعد هبة الكرامة في مايو/ أيار المنصرم وسط تساؤلات عن العوامل من تردي الحالة الفلسطينية وحالة الجزر العربي وتراجع قوة الأحزاب في العالم وغيرها إلى فقدان وسائل التعبئة والتثقيف وأدوات الاستذكار الحديثة المتكاتبة مع لغة الفئات العمرية الشبابية في أيامنا.

جاءت مشاركة فلسطينيي الداخل في هذه الهبة عام 2000 ضمن الانتفاضة الثانية التي اندلعت واستعرت نيرانها في مثل هذه الأيام قبل 21 عاما نتيجة عدة عوامل عميقة ومباشرة منها انهيار قمة كامب ديفد وفشل محاولة استكمال تطبيق مستحقات اتفاق أوسلو المرتبطة بالحل النهائي. وعلاوة على حالة الإحباط والغضب لدى الشعب الفلسطيني بعد فشل هذه القمة جاءت زيارة أرئيل شارون الاستفزازية للحرم القدسي الشريف بضوء أخضر من رئيس حكومة الاحتلال وقتها إيهود براك لتفّجر غضبا كبيرا طبيعيا ومتوقعا فالأقصى طالما كان معلما تاريخيا حضاريا وطنيا جامعا لكل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات والمهجر.

فعاليات غير كافية كما وكيفا
وما لبث أن جاء إعدام الطفل محمد الدرّة من غزة بالبث الحيّ والمباشر ليؤجّج المشاعر ويثير الخواطر ودفع الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر للشوارع للاحتجاج والتعبير عن غضبهم ولم تمّيز إسرائيل بين المجموعتين على طرفي الخط الأخضر ولم تشفع مواطنة فلسطينيي الداخل لهم فطال رصاصها المتظاهرين وقتلت 13 منهم دون أن يشكّلوا خطرا حقيقيا على عناصر الأمن الإسرائيليين، كما أكدت لجنة التحقيق الإسرائيلية ،”لجنة أور”.

هذا العام أيضا اقتصرت فعاليات إحياء ذكرى هبة القدس والأقصى على زيارة أضرحة الشهداء ومسيرة مركزية في مدينة الشهداء سخنين بمشاركة المئات معظمهم من الشباب علاوة على التفاعل في منتديات التواصل الاجتماعي. ويعبّر بعض ذوي الشهداء في الداخل عن عدم رضاهم من مستوى فعاليات إحياء الذكرى التاريخية وهم محقّون في ذلك فتراجع التفاعل الجماهيري معها مردّه ليس فقط حالة التراجع الفلسطينية العامة أو توالي السنين ورغم كل المؤثرات السلبية هناك فرصة لتطوير هذه الفعاليات كما وكيفا. هذه هي نتيجة تآكل أدوات التعبئة والتثقيف، تراجع الأحزاب العربية، الترّكيز على البرلمان على حساب الميدان والعمل الشعبي، تكلّس فعاليات إحياء الذكرى وتقادمها حتى باتت تقاليد متكررة أكثر مما هي مبادرات عملية تستخدم وسائل حديثة متجددة وخلاقة.



صورة ملتبسة مجتزئة
في نطاق غياب التثقيف المتبصّر والتعبئة المنهجية الفعالة من قبل الفعاليات السياسية والأهلة داخل أراضي 48 تتشوّش الرؤية وتبدو هبة القدس والأقصى بصورة مجتزئة وملتبسة وغير مفهومة كفاية للفئات العمرية الشبابية التي تشكّل 70% من فلسطينيي الداخل مما يشكّل سببا إضافيا في العزوف عن مشاركتهم في فعاليات إحياء الذكرى.

كما هو الحال في مشاريع سياسية وثقافية أخرى تحتاج عملية إحياء الذكرى الوطنية وفاء للشهداء والتكافل الأهلي مع ذويهم، تعزيز المناعة المجتمعية والمساهمة في صياغة ذاكرة جماعية وهوية وطنية للأجيال لعدة شروط أولها وأكثرها بساطة وأساسية: استحضارها في روحها، وحقيقتها وسياقها التاريخي بوصفها جزء من انتفاضة فلسطينية أوسع وحلقة في مسلسل نضال الشعب الفلسطيني على حماية وطنه واستقلاله منذ بدء الصراع على البلاد مع الصهيونية والاستعمار البريطاني قبل قرن ونيف.

في نظرة سريعة للوراء يتضح أن الشعب الفلسطيني هبّ في هبات وانتفاضات متكررة منذ فرض الاستعمار البريطاني عليه فخرج في "هبة النبي صالح” عام 1920 احتجاجا على ممارسات الحكم البريطاني، خيانات بريطانيا وفرنسا للعرب، وانحيازهما لجانب الصهيونية. تلتها هبة أبو كشك قبل قرن تماما، عام 1921 وهي هبة احتجاجية فجرّها وقادها شاكر أبو كشك في قريته أبو كشك على ضفاف نهر العوجا احتجاجا على قيام مستوطني مستوطنة "بيتح تكفا” (القائمة على حساب بلدة ملبس المجاورة) وفي 1929 اشتعلت نيران الصراع مجددّا فيما يعرف بهبة البراق وهي كما هو الحال في هبة القدس والأقصى عام 2000 كان الاعتداء على الحرم القدسي الشريف ومحاولة إقامة شعائر دينية يهودية فيه سببا مهما في اندلاع النار التي هبت واشتعلت في محطات لاحقة أكبرها الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.

وبعد نكبة 1948 عاد فلسطينيو الداخل وهبوا في عدة مواقع مركزها الناصرة عام 1958 احتجاجا على ظلم الحكم العسكري المفروض عليهم (1948- 1966) رغم وجودهم بين كابوسين وحصارين إسرائيلي وعربي. وجاء يوم الأرض الأول عام 1976 واستشهاد ستة شباب من فلسطينيي الداخل دفاعا عن الأرض وتصديا لمصادراتها من قبل السلطات الإسرائيلية لينذر بميلاد مرحلة جديدة وظهور جيل شبابي جديد لا تطاله صدمة النكبة وصفته أستاذة علم الاجتماع بروفيسور خولة أبو بكر في كتاب هام "جيل منتصب القامة”.



الانفجار الكبير
وجاء الانفجار الكبير عام 2000 مع اندلاع الانتفاضة الثانية التي شملت فلسطينيي الداخل الذين انتفضوا في فعاليات احتجاج دامت أسبوعين منذ نهاية سبتمبر/ أيلول في مواجهات عرفت في مسيرتهم بـ”هبة القدس والأقصى” وفيها استشهد 13 شابا وأصيب المئات بالرصاص الحيّ مما أدى لحالة انكسار في العلاقات بين فلسطينيي الداخل من جهة وبين إسرائيل والمواطنين اليهود فيها وقد تكرر الانكسار وإن كان بأقل حدة في "هبة الكرامة” خلال مايو/ أيار الماضي وهذا يكرّس حالة تتيح فرصة ثمينة للعمل السياسي المثمر، فالأرض خصبة وتنتظر من يبذرها بالبذور الفلسطينية السليمة.

وصف بعض المراقبين فعاليات إحياء ذكرى  هبة القدس والأقصى بالخجولة وغير كافية كما وكيفا رغم مزاعم القيادات السياسية بأنها "مظاهرة جبارة” و”حشود كبيرة” في سخنين الخ، وهنا ينبغي استحضار السؤال ما هي أهداف إحياء مثل هذه الذكريات الوطنية؟.

لا تقتصر أهمية استذكار الشهداء على الوفاء مع من ضحوا بأغلى ما يملكون  التزاما بشعبهم وبقضيته الوطنية وعلى التكافل مع ذويهم من آباء وأمهات وعائلات ثكلى بل تتمثل حيوية الاستذكار بضرورة إنتاج الوعي والذاكرة الوطنية والهوية الوطنية الجماعية وتعزيزها في وجه مخططات العدمية القومية وسياسات التجهيل الإسرائيلية. هي في الواقع رسالة للشهداء ولعائلاتهم ولكنها رسالة للذات يرسلها المجتمع عبر فعالياته السياسية والأهلية لترشيد الخطاب وتصويب البوصلة ومواصلة الحفاظ على الهوية والإنتماء.

وهنا يقفز السؤال الثاني للوعي كيف يتم تحقيق ذلك على الأرض؟ تظهر الوقائع على الأرض أن هناك تراجعا في فعاليات إحياء هبة القدس والأقصى وكذلك فعاليات يوم الأرض وبقية المناسبات الوطنية كما وكيفا وهي أقرب لأن تكون تقاليد متكررة أكثر منها فعل مثابر متجّدد كما يؤكد والد الشهيد أسيل عاصلة من عرابة البطوف حسن عاصلة في معرض توجيه انتقاداته للطبقة السياسية الفلسطينية في الداخل بهذا المضمار.

وفعلا هي فعاليات متكرّرة شكلا ومضمونا ولغة وأدوات متقادمة ففي الأمس الأول ردّد المتظاهرون الشباب في مدينة سخنين ما ردده آباؤهم في الذكرى الأولى لهبة القدس والأقصى قبل 20 عاما وربما أجدادهم بعد يوم الأرض الأول: "الإرهابي مين مين مين… يا حكومة السفاحين”، "اسحب جيشك يا محتل… ما في مستعمر بظل”، "باب الأقصى من حديد… مفتاح دمه الشهيد”.

احتواء بالمال

تتكرر الشعارات والهتافات ومشاهد الرايات الفلسطينية المرفوعة وصور الشهداء في مسيرة تقليدية تنتهي بخطابات سياسية أحيانا تكون مملة وشهدت عمليات استنساخ وتدوير وكل هذه المضامين تخلو من الخلق والإبداع. وحتى تتجدد الفعاليات وتكون منتجة ومثمرة لابد من إشراك الأحزاب والهيئات الوطنية ومئات الجمعيات الأهلية الشباب في التخطيط والتنفيذ.

في مثل ذكرى هبة القدس والأقصى على سبيل المثال يمكن ربطها بموسم الزيتون في فلسطين فالشجرة هذه مشحونة بدلالات البقاء والثبات والصمود فلماذا لا يتم رعاية زرع ألف شجرة زيتون كل عام في البلدات الفلسطينية في الداخل بمشاركة الشبيبة والتلاميذ ممن يحرمون من التربية الوطنية بسبب المنهاج التعليمي الإسرائيلي؟ كذلك هناك طاقات هائلة لتنظيم مهرجانات ثقافية وفنية في هذه المناسبة تكرّس الذكرى وتستذكر الشهداء وتنتج وعيا لدى الأجيال بدلا من مظاهرة يتم فيها تفريغ الغضب وتنتهي الحكاية في ذات اليوم.

كما تشكّل كفرقاسم نموذجا للتجدد في إحياء المناسبات الوطنية ففيها بني قبل سنوات متحف يستعيد المجزرة بلغة العصر الرقمية وبتقنيات السينما والتصوير الفوتوغرافي، رواية روايتها بالصوت والصورة وبلغة فنية جمالية. يستحق كل واحد من هؤلاء الشهداء فيلم قصير عن سيرته ومسيرته وأحلامه وغيرها من المضامين التي تؤنسن الشهيد بدلا من بقائه رقما أو صورة صماء وهكذا بالنسبة لأمهات وآباء الشهداء ممن انهار عليهم عالمهم ويشعرون وحيدين بعد استشهاد أعزائهم.

تذكّر بالحرب المفتوحة على الرواية

بالأمس استمعت لعبد المنعم أبو صالح والد الشهيد وليد أبو صالح من سخنين يروي لـ”راديو الناس” في الناصرة عن نجله الشهيد الذي كان يستعد للزفاف يوم خرج للتظاهر بعد مشاهدته إعدام محمد الدرة من غزة وعاد لبيته قتيلا. كما روى أبو صالح أن خطيبة نجله الشهيد قد صممت على البقاء جزء من أسرته بالقول "قالت لي خطيبة وليد إنها قررت البقاء في بيتنا حتى النهاية ولذا تزوجت من شقيقه إيهاب حتى تبقى تستنشق رائحة وليد كما قالت. وقد رزقنا بأربعة أبناء أكبرهم أسميناه وليد باسم الشهيد "وليد”. كما روت جميلة عاصلة والدة الشهيد أسيل عاصلة من عرابة البطوف إنها ما زالت ترتدي الأسود والرمادي فقط منذ اغتيال ابنها الذي كان يستعد لتعلم هندسة الحاسوب وإنها لم تعد تقوى على ارتداء جاكيت حمراء كانت تحب ارتدائها بسبب خجلها من ذلك كونه لونا يشع فرحا، موضحة أنها توقفت عن سماع الموسيقى طيلة عشر سنوات بعدما ثكلت ابنها الموهوب أسيل في 2000.

كي يكون الشباب متصالحين مع ذواتهم
مثل هذه الأفلام القصيرة تساهم في رسوب الرسائل الوطنية التوعوية الهامة في وعي وذاكرة المشاهد اليافع الشاب أكثر من أي فعل آخر ويمكن عرضه في نوادي الأحياء وضمن فعاليات الذكرى التي ترافقها معركة مفتوحة على الوعي فإسرائيل كما تفيد التسريبات والتصريحات تسعى اليوم لبذل جهود كبيرة لاستيعاب واحتواء فلسطينيي الداخل وتكرار محاولة تدجينهم وضبطهم باحتلال وعيهم بالميزانيات والدمج في مرافق الدولة وغيرها، وهذه معركة مفتوحة على الرواية والوعي لم تتوقف منذ 1948 وجهات إسرائيلية ما زالت مشغولة جدا بوسائل احتلال وعي الفلسطينيين عامة إدراكا لحيويتها في موازين القوى.

مثل هذه الرؤية المهتمة بالوعي مفيدة في مجال مكافحة الجريمة ويحسن من يربط بينها وبين استشراء العنف والجرائم لوجود علاقة سببية بين الأمرين. تفيد معطيات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية أن 83 عربيا قتل داخل أراضي 48 في الفترة الممتدة بين 1980 وحتى اندلاع الانتفاضة الثانية وهبة القدس والأقصى عام 2000، بينما في العقدين التاليين قتل 1480 عربيا معظمهم بسلاح غير مرخص.

وتتهم القيادات السياسية لفلسطينيي الداخل السلطات الإسرائيلية بالتواطؤ مع الجريمة والمجرمين منذ العام 2000 من أجل ضرب المجتمع الفلسطيني من الداخل على منوال "فخار يكسّر بعضه” وإغراقه بالدم وإشغاله بنفسه وتفتيته كما يؤكد رئيس لجنة المتابعة العليا محمد بركة 

وهذا ما أكده رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية في لقاء جمعه مع صحافيين يوم الخميس الماضي في رام الله.

وعلى هذه الخلفية يرى باحثون في علم الاجتماع أن أحد الحلول الوقائية التي من شأنها حماية الشباب من الانزلاق في مستنقع الجريمة والعنف يتمثل بتنمية هوية وطنية متصالحة من خلال إنتاج وعي وطني فلسطيني كما يؤكد لـ”القدس العربي” الدكتور عامر الهزيل الباحث في علم الاجتماع.