الأربعاء 20 تشرين الأول 2021

ما معنى الهروب من سِجنٍ إسرائيليّ؟


النهار الاخباريه  القدس 

هذا يعني أنك لم تُحدث ثُقباً في الأرض فقط، هذه ليست مُجرّد حُفرة، هذا ثُقبٌ في رؤوس قادة الأمن هُناك، يُنسيهم طعم الهدوء وراحة البال ويُصليهم شقوة الفضيحة والخزي أمام مجتمعهم، ثُقبٌ آخرُ في أسطورة الوطن الآمن الذي ما زال القسّـLم يُحدث فيها ثقوبًا حتى عَجِز الراقع وأوشكت أن تتمزّق، هذا ثُقبٌ يخترق أمن إسرائيل بكُلّ طبقاته، إسرائيل التي تقوم بتصدير منظومات التجسس والاختراق الأمنيّ إلى دول العالم مثل بيجاسوس وغيرها، وتغتال علماء الطاقة النووية في إيران عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وباستخدام الروبوتات دون الحاجة لتعريض العناصر البشرية إلى الخطر، وحتى دون أن تترك أي أثرٍ مادّيّ لإدانتها ، إسرائيل التي تعمل ليل نهار على تطوير منظوماتها الأمنيّة لوأد أي تفكير بعملية نضاليّة في الضفّة والداخل الفلسطينيّ ..

تاريخ الأسرى الفلسطينيّين مليءٌ بالأعاجيب، هذه ليست عملية الهروب الأولى، بل سبقتها عمليات كثيرة، كان السّجَّانُ بعدها يدرس طرق الهروب ليمنعها ويضبطها، ولكن إرادة الحياة تعودُ لتسخر منه في كُلّ مرة لتظهره عاجزاً حائراً أمام ذاته ولتصفعه ألف صفعة، في كل صفعةٍ ألف سؤالٍ عن جدوى بقائِهِ في هذه الأرض !

حفرٌ بطيءٌ مُستمرّ، نَفَسٌ طويل، صبر، سِرّيّةٌ عالية وكتمان رهيب، دراسة دقيقة لمواعيد الكشف الصباحي والمسائي وما يتخللها من تفتيشات طارئة غير محسوبة، وعندما يكون الستّةُ في زنزانةٍ واحدة، فإن أحدهم سينزل ليحفر، عملية النزول إلى الحفرة يوميًا تحتاج جُهداً ووقتاً، فالحُفرة تكاد تتّسع لجسد رجُلٍ نحيل، وإذا أردت الزحف عبرها، فعليك أولاً أن تقوم بتقليص وزنك، فالكُتلة الزائدة لا تمُرّ، وخلال عملية الحفر، يقوم الخمسة الآخرون بالتغطية على غِيابك حتى لا يشعُر أحد بالغياب، ووفي حالات الطوارئ، تخرج سريعًا دون أن تترك آثار الحفر على ثيابك ووجهك ويديك !

تُرى ، ماذا استعملوا للحفر، ماذا يملكون في الزنزانةٍ أصلًا، وأين ذهبوا بالتّراب الناتج عن الحفر، علماً بأن السّجان يدرس نسبة تركيز التربة في المجاري للتنبُّهِ إلى أي هروب مُحتمل، كيف كانت الأيّام والليالي التي قضوها داخل الحُفرة، حيث يقلّ منسوب الأوكسجين تحت الأرض، يزداد الضغط والحرارة، أيّ إرادةٍ امتلكوا للصبر على هذا كُلّه، وأيّ عبقرية حازوا ليعرفوا أين يجعلون المخرج، والأعجب من ذلك، كيف حفروا داخل قُضبان الخرسانة المُسلّحة والتي جعلها السجان ضيّقةً، فأثبتوا قدرتهم على العبور، ليضعوا السجان في مأزق إعادة تصميم الخرسانة من جديد، وهو عمل شبه مستحيل تقريباً، أنت تستطيع إخفاء رجل لمدة محدودة، ورُبما تستطيع إخفاء رجُلين لو توفرت على قُدرةٍ استثنائية، أمّا الأبطال في ساعة الصفر، فقد غابوا معًا، ستة رجال ضربةً واحدة، ثم زحفوا عبر الحفرة الضيقة مع ما يتطلبهُ الزحف من وقت طويل، تحت الزنازين، وتحت الأسوار، ثُم بعيداً عنها، مسافةٌ تُعدّ بمئات الأمتار، زحفوها زحفاً، وخرجوا من الناحية الأخرى ولم يكتشف أحدٌ غيابهم حتى ساعات الصباح !

هذه ليست حُفرةً يا سادة، هذا ليس ثُقباً، هذا من أعظم تجلّيات الروح الثائرة حين تمرغ وجه المُحتلّ في وعاءٍ من روث البقر، هذا اقتلاعٌ للقيد، على يد إرادة البقاء وقوّة الحياة، هذه شجرةُ زيتون يكادُ زيتها يُضيءُ ولو لم تمسسه نار، تشُقّ الصخر رويدًا رويدًا ، تنبُت في جوفه، تكبُر، تتعاظم، يحاول خنقها، تصمد وتفلقه إلى نصفين، هذه روح الثورة الفلسطينية العملاقة، المارد الذي اقتلع القيد، وغداً يقتلع الاحتلال كُلّه.