الخميس 9 كانون الأول 2021

كيف تحولت زيارة نتنياهو إلى الإمارات من لحظة احتفالية إلى إحراج لإسرائيل؟

كيف تحولت زيارة نتنياهو إلى الإمارات من لحظة احتفالية إلى إحراج لإسرائيل؟
كان من المفترض أن تكون أول زيارة علنية لرئيس وزراء إسرائيلي إلى الإمارات لحظة احتفالية. لكن بسبب سوء الإدارة وعدم الكفاءة وجرعة الذعر غير الصحية، تحولت زيارة "بنيامين نتنياهو" المجهضة إلى أبوظبي، بدلا من ذلك، إلى إحراج وطني.
ومنذ توقيع "اتفاقات إبراهيم" (اتفاقات تطبيع) في الصيف الماضي، يحاول "نتنياهو" ترتيب زيارة رسمية إلى منطقة الخليج. وكانت هناك العديد من الفرص في الأشهر الأخيرة للقيام بمثل هذه الرحلة، لكن لأسباب مختلفة، بداية من وباء "كورونا"  وحتى الأزمات السياسية في الداخل، لم تتحقق أبدا.
كان الإلغاء السابق للزيارة في فبراير/شباط الماضي، عندما تم إغلاق الأعمال في جميع أنحاء إسرائيل (ضمن إجراءات الحد من تفشي "كورونا")، وآنذاك، قرر "نتنياهو" أن الوقت ليس مناسبا للسفر إلى الخارج للحصول على فرصة لالتقاط الصور في واحدة من أغنى دول العالم.
كان "نتنياهو" يأمل في أن تقود زيارته إلى الإمارات، قبل شهر من يوم الانتخابات، إلى تحسين شعبية حزب "الليكود"، الذي يتزعمه، في استطلاعات الرأي، وإلهاء الجمهور الإسرائيلي عن الغضب المتزايد من استسلامه اللانهائي للأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة طوال أزمة "كورونا". لكن بمجرد انتهاء شهر فبراير/شباط الماضي بدون زيارة، كان الافتراض السائد في الأوساط السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية هو أنه إذا ذهب "نتنياهو" إلى الإمارات، فلن يكون ذلك إلا بعد انتخابات 23 مارس/آذار الجاري. فعلى كل حال، لا مصلحة للإماراتيين في أن يُنظر إليهم على أنهم يتدخلون في السياسة الداخلية الإسرائيلية، فهم وقعوا اتفاقية تطبيع مع دولة إسرائيل، وليس مع حزب "الليكود".

كما قبل "نتنياهو" هذا الواقع، وحاول استبدال الرحلة إلى الخليج بـ"إنتاج" دبلوماسي مختلف كان عبارة عن زيارة يجريها إلى إسرائيل الرئيس التنفيذي لشركة "فايزر" الأمريكية، والتي كان من المفترض أن تتم هذا الأسبوع؛ بغرض تحويل عملاق الأدوية إلى مشارك نشط في حملة إعادة انتخابه. لكن شركة "فايزر" أدركت في اللحظة الأخيرة أنه تم استخدامها من قبل رئيس الوزراء لأغراض سياسية، وأعلنت أنه لن تكون هناك زيارة لإسرائيل قبل الانتخابات.

في غضون ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي العام أن "الليكود" يخسر أرضا، وأن ائتلاف "نتنياهو" المحتمل لكن يتمكن من حصد 61 مقعدا (الحصة اللازمة لتشكيل حكومة). في الدورات الانتخابية الثلاث السابقة، كان من الممكن أن تكون هذه هي اللحظة التي سيتدخل فيها "دونالد ترامب" لإنقاذ صديقه "نتنياهو". لكن لسوء حظ "نتنياهو"، لم يعد الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة يقيم في البيت الأبيض.

قام "نتنياهو"، في خطوة يائسة، بإرسال صديقه المقرب رئيس الموساد "يوسي كوهين"؛ لإقناع الإماراتيين باستضافته، رغم حقيقة أن الانتخابات الآن على بعد أقل من أسبوعين. و"كوهين"، الذي كان من المفترض أن يراعي وضعه كموظف حكومي، ويبقى بعيدا قدر المستطاع عن السياسة الحزبية، فعل العكس تماما؛ استخدم علاقاته في الخليج لترتيب زيارة لـ"نتنياهو" إلى الإمارات في اللحظة الأخيرة، والتي كانت ذات دافع سياسي واضح.

تم الإعلان عن الزيارة للجمهور الإسرائيلي، الأربعاء، وقبول ذلك بإشادة من أنصار "نتنياهو" في وسائل الإعلام باعتبارها "مفاجأة مارس". حتى أنه كانت هناك تسريبات مجهولة المصدر تؤكد أن رئيس الوزراء سيلتقي ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" كجزء من الرحلة. كان كل شيء يسير وفق المخطط، تماما كما حدث عام 2015، عندما دعا الجمهوريون في الكونجرس "نتنياهو" لإلقاء خطاب من خلف ظهر الرئيس "بارك أوباما" قبل أسبوعين بالضبط من الانتخابات الإسرائيلية في ذلك العام، وكان "نتنياهو" مرة أخرى سيغير جدول الأعمال العام تماما من خلال القفز على متن طائرة.
ولكن لأسباب لا تزال غير معروفة تماما، تلاشت النشوة عند الدائرة المقربة لرئيس الوزراء صباح الخميس، وتحولت إلى الارتباك والقلق والهستيريا في نهاية المطاف. فمنذ ساعات الصباح، انتشرت تقارير وشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي تفيد بإلغاء الزيارة مرة أخرى، وذلك للمرة الرابعة. بعد ذلك، بدأ المسؤولون الإسرائيليون في تقديم تفسيرات متناقضة حول سبب حدوث هذا الإلغاء.

قال أحد المسؤولين إن السبب في ذلك هو أن "سارة نتنياهو"، عقيلة رئيس الوزراء، خضعت لعملية طبية بين عشية وضحاها. وقال آخر إن السبب في ذلك هو أن الأردن رفض السماح لطائرة "نتنياهو" بالتحليق فوق أراضيه، وهو تفسير غريب؛ لأن هناك طرقا أخرى للطيران من إسرائيل إلى الخليج. وألقى مسؤولون آخرون لم يُكشف عن أسمائهم باللوم على "كوهين" في الفشل، واقترح بعض المحللين أن الإماراتيين أنفسهم، في الواقع، غيروا رأيهم، وقرروا عدم تحويل بلادهم إلى ساحة دعاية لـ"نتنياهو". خلاصة القول، أنه اعتبارا من مساء الخميس تم إلغاء الزيارة، ولم يكن لدى الجمهور أي وسيلة لمعرفة سبب حدوث ذلك بالضبط.

لقد فقد "نتنياهو"، في سعيه للحصول على أغلبية تسمح له بإلغاء لائحة الاتهام الجنائية ضده، قدرته على الشعور بالخزي. لكن بالنسبة لإسرائيل كدولة، فإن المحنة بأكملها -الاستخدام غير المهني للموساد لأغراض سياسية، والضغط على الإماراتيين لاستضافة الزيارة، والإلغاء المفاجئ، ومحاولات الكذب على الجمهور حول الأسباب الحقيقية لهذا الإلغاء، والعمل الأخير المثير للشفقة المتمثل في محاولة إلقاء اللوم على خصوم "نتنياهو" السياسيين- كل ذلك سيُدرج في تاريخ "نتنياهو" باعتباره إذلالا وطنيا كبيرا.