الثلاثاء 26 تشرين الأول 2021

جندي أمريكي تنصت على طالبان لسنوات

 
النهارالاخباريه وكالات 
الكلمات التي يقولونها كانت هي التي تجعلهم يصمدون أمام أقوى قوة في العالم، قوة تستخدم طائرات عملاقة وقنابل مدوية لقتل بضعة أفراد منهم"، بهذه الكلمات وصف جندي أمريكي 
يان تجربته في التنصت على طالبان على مدار خمس سنوات فريتز خدم في سلاح الجو الأمريكي بين عاميّ 2008 و2013، وروى للصحف الامريكيه  تجربته فى افغانستان   قائلا ما  أعرفه عن طالبان من خلال التنصت على مقاتلي الحركة أثناء مدة خدمته في أفغانستان
ذكر أنه خلال الأسابيع الأخيرة تمكنت طالبان من بسط سيطرتها على كل المنافذ الحدودية. وفي 15 أغسطس/آب الجاري، دخل مسلحو الحركة العاصمة كابول وسيطروا على القصر الرئاسي، بينما غادر الرئيس أشرف غني البلاد، ووصل إلى الإمارات، قائلاً إنه فعل ذلك لـ"منع وقوع مذبحة"، فيما لم تبدِ القوات الأفغانية التي أنفقت عليها الولايات المتحدة مليارات الدولارات مقاومة تذكر       
قول فريتز في مقاله   حين يسألني الناس ماذا كنتُ أفعل في أفغانستان، أخبرهم أنَّي كنتُ أتجول في الأماكن وأتنصَّت على طالبان. كانت مهمتي هي تقديم "تحذير بالتهديدات" لقوات الحلفاء، لذا قضيتُ معظم وقتي في محاولة التعرف على خطط طالبان. 
 ويضيف: "جرى تحذيري قبل أن أبدأ من أنَّني سأسمع أشياء مروعة، وبالتأكيد حدث ذلك. لكن حين تتنصَّت على أناس لمئات الساعات، تسمع أموراً عادية أيضاً، حتى لو كان أولئك الناس يحاولون قتل أصدقائك. بل كان من الممكن حتى أن يجعلوني أضحك في بعض المرات النادرة"، حسب تعبيره.
في عام 2011، كان هناك 20 شخصاً في العالم مُدرَّبين لعمل الوظيفة التي كنتُ أقوم بها. ومن الناحية العملية، كان هناك شخصان فقط تلقّيا نفس التدريب الذي تلقّيتُه. وقد تدربنا رسمياً باللغتين الدرية والبشتوية، وهما اللغتان الرئيسيتان المستخدمتان في أفغانستان، ثم كُلِّفنا بتلقي تدريب متخصص لنصبح متخصصين لغويين على متن طائرات تابعة لقيادة العمليات الخاصة بسلاح الجو الأمريكي. 
وكان لدى القيادة نحو 12 نوعاً من الطائرات، لكنَّني كنتُ أحلق فقط بالمقاتلات تختلف هذه الطائرات في خصائصها، لكنَّها كلها طائرات شحن زُوِّدَت بمستويات مختلفة من التسليح يتراوح في قدرته التدميرية. فبعضها يمكنه تدمير سيارة وبعضها الآخر بإمكانه تدمير مبنى. لكن في أفغانستان، استخدمنا هذه الأسلحة ضد أشخاص، وكانت مهمتي هي مساعدة الجيش الأمريكي في تحديد هؤلاء الأشخاص
حلقتُ في 99 مهمة بإجمالي 600 ساعة. ربما تضمَّنت 20 من تلك المهمات و50 من تلك الساعات معارك فعلية. وربما تضمَّنت 100 ساعة أخرى الاستماع إلى أناس أشرار يناقشون خططهم الشنيعة، أو ما نسميها "المعلومات الاستخباراتية المفيدة". لكن في بقية الوقت، كانوا يتحدثون وحسب، وكنتُ أنا أتنصَّت.
وإلى جانب إلقاء النكات حول الجهاد، كانوا يتكلمون عن الكثير من نفس الأمور التي تتحدثون عنها أنتم وجيرانكم: خطط تناول الغداء، والنميمة في شؤون الحي، وأوضاع الطرق المزرية، وكم أنَّ الطقس ليس ملائماً لرغباتكم. وكان هناك اقتتال، وتنابز، وتأفف عام. وكانوا يحلمون بالمستقبل، ووضعوا الخطط لما بعد مغادرة الأمريكيين، واستمتعوا بفكرة استعادة السيطرة على بلدهم
تميل اللغتان البشتوية والدرية بشكل طبيعي إلى التورية والإهانات، وهناك الكثير من القافية المتأصلة في اللغتين والكثير من الكلمات التي تحمل معاني مزدوجة. وقد نبع جزء من هذا الهراء من الميل إلى التكرار. 
فالأفغان الذين قابلتُهم كانوا يكررون اسماً أو تصريحاً، أو في الواقع أي شيء، عشرات المرات لإثبات وجهة نظرهم. غير أنَّ هذا التكرار يصبح مكثفاً حين يتحدثون عبر اللاسلكي. وقد علَّمني رجل يُدعى "كلمة" هذا. لم يكن أيٌّ منا يعرف مَن هو كلمة، لكن كان هناك اتفاق عام على أنَّه ليس شخصاً مهماً. لكنَّ شخصاً ما– لا نعرف مَن هو- أراد حقاً التحدث معه. فنادى باسمه: "كلمة!. كليمة. كلمة كلمة كلمة كلمة كلمة".
نادى اسمه المرة تلو الأخرى، 50 مرة على الأقل، بكل التراكيب الممكنة التي ركَّز فيها على مقاطع الاسم المختلفة. وقد أنصتُّ طوال الوقت، لكنَّ كلمة لم يرد قط. ربما كان اللاسلكي خاصته مغلقاً. وربما لم يكن يريد التحدث إلى ذلك الرجل وحسب.
صبَّ كل هذا الهراء، طبيعياً، في الموهبة الكلامية الكبيرة الأخرى لدى طالبان، الخطاب الحماسي. فلم يشهد أي اجتماع حول استراتيجية المبيعات في شركة ما، أو التحضيرات الخاصة بفيلم، أو غرفة خلع ملابس ما مستوى التحضير الحماسي المفرط الذي كانت طالبان تُظهِره قبل وأثناء وبعد كل معركة. ربما كان ذلك لأنَّهم باتوا مُتمرِّسين بعد خوضهم الحرب طوال أغلب حياتهم. وربما كان لأنَّهم يؤمنون حقاً بقدسية مهمتهم. لكن كلما استمعتُ إليهم أكثر، فهمتُ أكثر أنَّ هذا التباهي الدائم هو شيء كان يتعين عليهم عمله حتى يواصلوا القتال.
فأي سبيل آخر قد يواصلون به محاربة عدو "يقصد أمريكا" لا يتردد في استخدام القنابل المُصمَّمة للمباني ضد رجال أفراد؟ وهذه ليست مبالغة. فقبل أيام فقط من عيد ميلادي الثاني والعشرين، رأيتُ مقاتلة تلقي قنابل تزن 500 رطل (227 كيلوغراماً تقريباً) وسط إحدى المعارك، ما أدَّى إلى تحويل 20 رجلاً إلى رماد. وحين رأيتُ المنظر الجديد، المليء بالفوهات بدلاً من الأفراد، حدث توقف مفاجئ في الضجيج واعتقدتُ "أنَّنا الآن بالتأكيد قتلنا ما يكفي منهم". لكنَّ هذا لم يحدث.
فحين وصلت مروحيتان أخريان، سمعتُ طالبان يصرخون: "واصلوا الإطلاق، سيتراجعون". وكرَّروا القول: "يا إخوة، إنَّنا ننتصر. هذا يومٌ مجيد".
وفيما شاهدتُ  ستة امريكين يموتون   شعرتُ بأنَّ 20 من طالبان يهللون في أذني: "الله أكبر، إنَّهم يموتون".
طوال كل ذلك الضجيج وأصوات القنابل والرصاص التي تنفجر خلفهم، وسقوط زملائهم المقاتلين قتلى، حافظ أفراد طالبان على معنوياتهم عالية وظلوا يشجعون بعضهم البعض وظلوا مُصِرِّين ليس فقط على أنَّهم ينتصرون، بل أنَّهم سيعاودون الكرّة معنا- بشكل أفضل- المرة القادمة..
مرَّ الوقت، ومع تعلُّمي ما تعنيه الكلمات المشفرة المختلفة وكيفية تمييز أصوات الأشخاص من وسط أصوات الأسلحة النارية، صرتُ أفضل في الإنصات. وبدأت طالبان تخبرني المزيد. ففي ربيع 2011، كنتُ في مهمة لدعم فريق عمليات خاصة وقع مؤخراً في كمين في إحدى القرى شمالي أفغانستان. وقد أُرسِلنا لإجراء عمليات استطلاع، وهو ما يبدو أمراً مثيراً للإعجاب، لكنَّه كان يعني من الناحية اللوجستية التحليق في دائرة لساعات بلا توقف ومشاهدة السكان المحليين والاستماع إليهم. وقد صادفنا بعض الرجال وهم يزرعون ويعملون في أرض حُرِثَت حديثاً. أو هكذا كنا نعتقد. وكان الفريق الأرضي متأكداً من أنَّ هؤلاء هم الرجال الذين هاجموهم، وأنَّهم لا يزرعون بل يُخبِّئون أسلحتهم في الحقل.
لطوال فترة وجودي هناك، كان عدد قتلاهم أكبر من قتلانا، وكانوا يخسرون الأراضي وكنا ننتصر المرة تلو الأخرى. وكان ذلك يحدث بانتظام؛ لدرجة أنَّي أصبحتُ أشعر أنَّه "ديجافو" (الشعور بأنَّ المرء شاهد هذه الأمور تحدث من قبل).
المفاجأة: كانوا يعلمون كل هذا الوقت بوجودي
في إحدى المهمات الطويلة، كنا ندعم فريقاً أرضياً ذهب إلى إحدى القرى للحديث مع الأعيان ولم يكن هناك أي شيء مثير للاهتمام. كان الاجتماع ناجحاً، لذا اتجه الفريق عائداً إلى مروحياته. فهجمت حركة طالبان.
 اضطر الفريق الأرضي للبقاء والانتظار حتى تكون مروحياته بوضع آمن للإقلاع
عَلِمَ مقاتلو طالبان أنَّهم أصابوا قائد الفريق. وقد عرفتُ ذلك لأنّني بينما كنتُ أستمع إلى صياحهم، سمعتُهم يحتفلون.
لكنَّهم توقفوا عن الاحتفال لأنَّ طائرتي أطلقت النار عليهم. وقد كان ذلك أسوأ أيام حياتي. ولم يكن إطلاق النيران أو الصرخات أو الموت هو ما جعل يومي بالغ الفظاعة، فقد رأيتُ الكثير من ذلك سابقاً. لكنَّني فهمتُ حينها ما كانت طالبان تحاول أن تخبرني.
لقد كانوا يعلمون في كل مهمة أنَّي فوقهم، أراقب كل كلمة. وكانوا يعلمون أنَّ بإمكاني سماعهم يتباهون بشأن كم أمريكياً نجحوا في قتله، أو على كم قذيفة هاون حصلوا، أو متى وأين سيزرعون عبوة ناسفة. لكن وسط كل هذا التنصُّت لم أكن منتبهاً. لقد اتضح لي أخيراً أنَّ كل هذا الهراء كان للتسلية فقط، كانت تلك طريقتهم في إلهاء أنفسهم عن نفس الملل الذي كنتُ أشعر به عند ذهابهم إلى معركة جديدة في نفس المكان ضد قوة غازية أخرى. 
لكن على العكس مني، حين كانوا يعودون إلى ديارهم، كان ذلك في القرية المجاورة وليس على بُعد 6 آلاف ميل (9650 كيلومتراً تقريباً). لربما كان أولئك الرجال في الحقل مجرد مزارعين، أو ربما كانوا فعلاً يُخبِّئون دليل هجومهم. 
على أي حال، كانت قنابلنا ورصاصاتنا تعني أنَّ احتمال انضمام الفتية في قراهم الآن إلى طالبان أكبر بكثير. وماذا عن الحديث الحماسي؟ لم يكن مجرد خطاب فارغ، بل كانت نبوءات ستتحقق ذاتياً.