السبت 4 كانون الأول 2021

جدل المئة يوم الأولى بين روزفلت وبايدن


مع تحولها لعرف رئاسي ومحطة رئيسة، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لتقييم مؤشرات عهدة ساكن البيت الأبيض الجديد، لا يزال الجدل قائماً بشأن تقليد الـ 100 يوم رئاسة الأولى حيث "مصارحة" الرئيس الأميركي لمواطنيه بما حققه من وعود اختار أن يكون تنفيذها في شهور ولايته الأولى وما لم يحققه.

وسن ذلك التقليد، الرئيس الـ32 للولايات المتحدة فرانكلين روزفلت، خلال أزمة الكساد الكبير، أي قبل نحو 90 عاماً، بدأ حكمه في مارس (آذار) 1933،إ ذ أطلق حينها روزفلت وعوداً انتخابية، تضمنت خطة إصلاح اقتصادية "عاجلة"، واعداً بتحقيقها خلال الـ100 يوم الأولى من حكمه، ومنذ ذلك الحين أضحى عرفاً أن يطلق الرؤساء وعودهم الانتخابية.

وعلى إثر الالتزام بذلك العرف، قال الرئيس الأميركي الـ46 جو بايدن، الخميس الماضي، في كلمة له أمام الكونغرس، إنه "بعد مئة يوم، يمكنني أن أقولها للبلاد، أميركا تمضي قدماً مرة جديدة"، وأضاف، "أميركا مستعدة للانطلاق. نحن نعمل مرة جديدة، نحلم مرة جديدة، نكتشف مرة جديدة، نقود العالم مرة جديدة. لقد أظهرنا لبعضنا بعضاً، وللعالم أنه لا يوجد استسلام في أميركا".

"واقعية" المئة يوم الأولى

على وقع جدل "المئة يوم الرئاسية الأولى"، الذي لم يخفت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لا تزال بعض الاتجاهات في الداخل الأميركي تقارن بين حالة كل ساكن جديد للبيت الأبيض، وما حدث وقت أن أعلن العرف الرئيس روزفلت في 1933.

ويتساءل، غوردان وايزمان، بموقع "سليت" الأميركي، عما إذا كانت عادة المئة يوم رئاسية الأولى لا تزال واقعية إلى اليوم؟ لا سيما وأن بعض الأبحاث تشير إلى أن الرؤساء الأميركيين عادة ما يحققون نجاحات في تمرير التشريعات خلال المئة يوم الأولى، مقارنة مع ما يحدث بعد ذلك، ويعزو الأمر إلى ما وصفه بـ"لحظات التوافق الحزبي، قبل أن يتزايد الاستقطاب بين الحزبين الكبيرين وتكون الشهور الثلاثة الأولى إرثاً من الماضي، بالنسبة إلى الولاية الرئاسية".

وبحسب ما كتبه، وايزمان، وجاء بعنوان "المئة يوم التالية لروزفلت كانت أكثر ترسيخاً للإرث من المئة يوم الأولى"، فقد استغرق الرئيس روزفلت بعض الوقت لإنشاء دولة الرفاهية وترسيخ إرثه الرئاسي، مضيفاً، أن التقييم التاريخي لفكرة المئة يوم "لا تبدو منطقية"، فأيام روزفلت الأولى في الحكم وبقدر أهميتها ومحوريتها، إلا أن التركيز عليها يحجب حقيقة أن روزفلت عزز حقاً إرثه الداخلي في فترة تُعرف باسم المئة يوم الثانية، التي حدثت على مدار عامين متتاليين في 1935، و"ذلك عندما حصلنا على أشياء بسيطة مثل الضمان الاجتماعي وتأسيس قانون العمل الحديث"، وهو ما يتجاهله المعلقون بدلاً من التفكير في الدروس التي قد تتضمنها. 

ولم ينكر وايزمان، أهمية الأيام الأولى في عهدة روزفلت قائلاً، "كانت الأيام المئة الأولى من عهد روزفلت هي حقاً فترة الاستجابة للكوارث، حيث أمسك الرئيس بخرطوم الحريق وبدأ في إطفاء النيران المشتعلة التي لم تبتلع الاقتصاد وحسب، بل أسفرت عن رفع نسبه العاطلين من العمل إلى ربع الأميركيين أو أكثر في بعض المدن، وهددت بتدمير أسس الرأسمالية ذاتها، حيث طالب بانعقاد دائم للكونغرس لثلاثة أشهر وتمكن من تمرير نحو 76 قانوناً تشريعياً".

وذكر وايزمان، "كانت إنجازات روزفلت في هذه الفترة كبيرة، حيث نجح في إيقاف الأزمة المالية المتصاعدة، ووقع إصلاحات لمنع الانهيارات المستقبلية، وأنقذ الريف الأميركي من خلال الإعانات الزراعية، وأطلق جهداً إنمائياً إقليمياً ضخماً، وبدأ الاقتصاد بالفعل بالتعافي وتلاشى الشعور بالكارثة الوشيكة".

أهمية المئة يوم الرئاسية الثانية
لكن في الوقت نفسه، وبحسب وايزمان، قادت بعض الخطوات التي اتخذها روزفلت في المئة يوم الرئاسية الأولى، بخلاف الخطوات الأكثر شهرة نحو جهود الإنعاش الاقتصادي الوطني، إلى نتائج عكسية، من بينها ما حدث مع الشركات، حيث قادت في النهاية إلى زيادة المعروض من السلع وعليه انهارت الأسعار، وباتت الأجور "غير قابلة للعيش"، ما حرم أصحابها من "القدرة الشرائية".

وذكر وايزمان، كان السبيل من وجهة نظر هؤلاء التجار الجدد، هو القليل من المنطقية عبر السماح بالاستقرار على أكواد المنافسة التي تتضمن مستويات الإنتاج والأسعار ومعايير العمل والحد الأدنى للأجور وغيرها، وتم كل ذلك تحت إشراف الحكومة، ما مثل بداية للتخطيط المركزي. 

ويتابع وايزمان، سمحت بعض التدخلات الحكومية بزيادة عملية الاحتكار في عديد من القطاعات الرئيسة من قبل الشركات الكبرى ومجموعاتها التجارية، حيث استغلت الفرصة بناء على السياسات الفيدرالية، لتجاهل قوانين مكافحة الاحتكار على حساب المنافسين الصغار، ووفق ما كتبه المؤرخ، ديفيد كينيدي في كتابه "الحرية من الخوف"، "لم يكن الأمر أقل من تضخم قطاعات كبيرة من الصناعة الأميركية تحت رعاية الحكومة، وغالباً ما انتهكت تلك الشركات قواعد العمل التي كان من المفترض أنها وافقت عليها بالأساس، كما قوضت محاولات العمال للتنظيم من خلال تشكيل نقابات ترعاها الشركات، التي كانت أحد المكاسب التي جناها العمال من خطوات الإنعاش الاقتصادي الأولى التي انتهجها روزفلت".

وذكر وايزمان، أنه عندما ألغت المحكمة العليا الأمر برمته باعتباره غير دستوري في عام 1935، كان روزفلت غاضباً، وهو الأمر الذي قاد إلى "المئة يوم الثانية"، من الناحية النظرية، موضحاً، "في الوقت الذي بدت فيه المحكمة العليا مستعدة لإلغاء الجزء الأكبر من خطة روزفلت الاقتصادية، اختار الأخير اتباع مسار عمل جديد وجريء، ففي يونيو (حزيران) من عام 1935، دعا الرئيس الأميركي إلى جلسة خاصة أخرى للكونغرس، وسعى لتمرير أربعة تشريعات "واجبة الإقرار"، تضمنت مشروع قانون مصرفي، وآخر يهدف لتفكيك الشركات القابضة الكبرى التي كان ينظر إليها على أنها مخاطر احتكارية، وآخر متعلق بالضمان الاجتماعي، وفي وقت لاحق مشروع ضريبي يهدف لزيادة إسهام الأثرياء في الضرائب، وعليه أرسى روزفلت لبنات إرث تحول حقيقي.

وتابع وايزمان، "من دون هذه الإنجازات، كانت خطوات الإنعاش الاقتصادي الوطني الأولى ستكون بمثابة جهد مثير للإعجاب لمكافحة الحرائق الاقتصادية وتوسيع السلطة الفيدرالية، لكن غالباً ما يشير المؤرخون إلى إنجازات روزفلت المحلية انطلاقاً من عام 1935 وما بعده تحت اسم الصفقة الثانية، حيث كان قانون الضمان الاجتماعي الأكثر أهمية فيها، الذي من شأنه أن يدعم دولة الرفاهية الحديثة، ويخلق نظاماً وطنياً لمعاشات الشيخوخة والتأمين ضد البطالة وبرامج مساعدة لأبناء الأرامل والمكفوفين"، وعليه أصبح قانون واغنر (نسبة إلى السيناتور روبرت واغنر)، المعروف أيضاً باسم قانون علاقات العمل الوطنية، حجر الزاوية في قانون العمل الأميركي الحديث.
حالة بايدن

ومن روزفلت إلى الرئيس الـ46 للولايات المتحدة الأميركية جو بايدن، فعلى مدار المئة يوم الأولى من رئاسته، تمكن الأخير من الوفاء بأغلب الوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، وبحسب إحصاء لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، وقع بايدن وفق إعلانات البيت الابيض، 17 أمراً تنفيذياً منذ أول يوم له في المنصب، إذ ألغى بعض القرارات التي كان قد اتخذها سلفه الرئيس الجمهوري دونالد ترمب، وشملت الأوامر تلك المتعلقة بمجال الصحة العامة ومواجهة وباء كورونا فضلاً عن الاقتصاد وأمور متعلقة بالسياسة الخارجية لبلاده.

ومن بين تلك الوعود التي وفى بها، عودة بلاده لمنظمة الصحة العالمية بعد انسحاب سلفه منها في أسابيعه الأخيرة في البيت الأبيض، فضلاً عن إعطاء 100 مليون شخص جرعة لقاح كورونا، وهو الأمر الذي تحقق بعد 58 يوماً، كما فرض ارتداء الكمامات في المباني الفدرالية، وعين منسقاً لفريق الاستجابة للجائحة. وقد اعتبر بايدن خلال كلمته أمام الكونغرس الخميس الماضي، أن خطة التطعيم في الولايات المتحدة هي "واحدة من أعظم النجاحات اللوجستية" في تاريخ البلاد. موضحاً أن "أكثر من نصف البالغين تلقوا جرعة واحدة على الأقل"، وأن "الوفيات بين كبار السن انخفضت 80 في المئة منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، مضيفاً بحذر "لا يزال هناك عمل يتعين فعله للتغلب على الفيروس".

وعلى الصعيد الاقتصادي، مرر بايدن، حزمة تحفيزية كبرى حصل بموجبها ملايين الأميركيين على مساعدات وصل مجموعها إلى نحو تريليوني دولار، وهو الإنجاز التشريعي الأكبر له، كما مدد فترة الإيقاف المؤقت لقروض الطلاب، ووقف إخلاء البيوت بسبب عدم القدرة على الدفع.

وخارجياً، أعاد بايدن بلاده إلى اتفاق باريس التاريخي للمناخ لعام 2015، واستضاف قمة عالمية افتراضية للمناخ لمناقشة تعهدات جديدة أكثر طموحاً، وفي ملف الهجرة، أضحى مرسوم ترمب بحظر دخول الولايات المتحدة على مواطني عدة دول أغلبها إسلامية من الماضي، كما ألغى بناء الجدار الحدودي الفاصل مع المكسيك، وألغى إعلان حالة الطوارئ الوطنية الذي اعتمد لتمويل الجدار، وأمر بفريق عمل لجمع شمل العائلات التي فرّقت على الحدود، وعليه وافق مجلس النواب على نص يمهد الطريق لتسوية أوضاع نحو 700 ألف مهاجر من "الحالمين" الذين وصلوا أميركا وهم من الأطفال.

كذلك أصدر أمراً بتقييد سقف قبول اللاجئين في الولايات المتحدة، ليصل إلى 15 ألف شخص فقط. ومع انتشار العنف باستخدام الأسلحة النارية، الذي وصفه بايدن بالوباء والإحراج الدولي، أصدر 6 أوامر تنفيذية جديدة للتعامل مع الظاهرة المستفحلة، كما أصدر أوامر تنفيذية لمحاربة العنصرية والنهوض بالحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية، ومنع التمييز على أساس التوجه أو الهوية الجنسية في أماكن العمل.

في المقابل، بقيت ثمة وعود أخرى لم يف بايدن بتنفيذها خلال المئة يوم رئاسية الأولى، التي من بينها زيادة الضرائب على دخل الشركات إلى 28 في المئة، كما لم تتخذ إدارته أي إجراءات بشأن إصلاح العدالة الجنائية أو تشكيل مجلس مراقبة للشرطة.

وفي كلمته أمام الكونغرس، شدد بايدن على أن هذا الجهد الوطني يجب أن يركز الآن على إعادة بناء الاقتصاد ومحاربة عدم المساواة من خلال "أكبر خطة عمل منذ الحرب العالمية الثانية"، داعياً إلى زيادة المساهمات الضريبية بالنسبة إلى الشركات والأميركيين الأكثر ثراء، وذلك من أجل تمويل خطته لمساعدة العائلات. وقال، "حان الوقت لكي تبدأ الشركات الأميركية وأغنى 1 في المئة من الأميركيين في دفع نصيبهم العادل"، موضحاً أن أغنى 1 في المئة من الأميركيين سيدفعون ضرائب بنسبة 39.6 في المئة، كما كانت الحال عندما أصبح جورج دبليو بوش رئيساً.

وبحسب بايدن، فإن خطته المستقبلية تتضمن تطوير البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة في الولايات المتحدة، موضحاً أن تلك الخطة تهدف إلى دعم الطبقة العاملة في البلاد، قائلاً إنها "ستخلق ملايين فرص العمل، وستوفر نمواً اقتصادياً بقيمة تريليونات الدولارات في السنوات المقبلة". ووعد الرئيس الأميركي برفع الحد الأدنى للأجور على المستوى الفيدرالي إلى 15 دولاراً في الساعة، وهو ما يعارضه الجمهوريون بشدة.

ومقارنة بين الحالتين، يقول وايزمان في موقع "سليت"، "فإنه بعكس روزفلت الذي وعد بالتعامل مع الكساد الكبير من خلال "خطوات جريئة وشجاعة"، فقد كان يمتلك فرصة للحكم بهذه العقيدة إلى حد كبير، لأن الناخبين كانوا قادرين على منحه الوقت، في المقابل، وعلى حسب كلام وايزمان، فمن "المستحيل تخيل أن جو بايدن سيحصل على فرصة مماثلة، وذلك بالنظر إلى الأغلبية الضئيلة التي يحتفظ بها الديمقراطيون في الكونغرس، مقابل المزايا الهيكلية التي يتمتع بها الجمهوريون، كقدرتهم على التحكم في إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية واحتمالات هيمنتهم النيابية مجدداً".
احمد عبد الحكيم