الإثنين 25 تشرين الأول 2021

المفاوضات البحرية بين مصر وتركيا.. مناورة تكتيكية أم استراتيجية شاملة؟

المفاوضات البحرية بين مصر وتركيا.. مناورة تكتيكية أم استراتيجية شاملة؟

اكتشفت قبرص وإسرائيل ومصر حقول غاز كبيرة متاخمة لشواطئها على مدى العقد الماضي، وتستند مطالباتهم بالحقول على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تعطي للجزر نفس الحقوق من المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة. لذلك فإن الجزر اليونانية تحد من حقوق تركيا البحرية بشكل كبير مما دفعها لرفض الاتفاقية والإصرار على أن الجزر ليس لها منطقة اقتصادية خالصة.
وفي 1 مارس/آذار 2021، ذكرت وسائل إعلام تركية أن تنقيب مصر عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط لن ينتهك المطالبات البحرية التركية. وفي 3 مارس/آذار، أشاد وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" بمصر "لاحترامها الجرف القاري الخاص بتركيا في شرق البحر المتوسط" وبالتالي الاعتراف بحقوق أنقرة البحرية. وأفادت وسائل الإعلام التركية أن أنقرة قد تتفاوض على اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر.
وشعرت أثينا بعدم الارتياح تجاه التلميحات عن اعتراف مصر بالمطالب التركية. وكانت مصر قد وقعت مع اليونان صفقة جزئية لترسيم الحدود البحرية بينهما في أغسطس/آب 2020، وبعد تقارير صحفية تركية أكدت مصادر مصرية أن اليونان وقبرص ستكونان ضمن أي مفاوضات بحرية مصرية مع تركيا. كما أفادت الصحافة المصرية بأن الرئيس "عبدالفتاح السيسي" اتصل برئيس الوزراء اليوناني "كيرياكوس ميتسوتاكيس" للتأكيد على "العلاقات الثنائية الوثيقة" والتزامه بالتعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والدفاع والأمن.
وفي 8 مارس/آذار، أصدر وزيرا خارجية مصر واليونان خريطة جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في مصر تتجاهل مطالبات تركيا.
ولدى مصر عوامل مختلفة تؤثر على علاقاتها مع شركائها في شرق البحر الأبيض المتوسط. فعندما أطاح الجيش المصري بحكومة الرئيس "محمد مرسي"، أصبح "أردوغان" من أشد منتقدي نظام "السيسي". علاوة على ذلك، ترى القاهرة في دعم أنقرة للإسلاميين تهديدًا وجوديًا. وبالمثل، فقد دعمت أنقرة والقاهرة أطرافًا متعارضة في الحرب الأهلية الليبية. وتجدر الإشارة إلى أن تركيا تستند في بعض مطالباتها البحرية إلى اتفاق وقعته في عام 2019 مع حكومة الوفاق الوطني الليبية "الإسلامية"، وهو ما تعارضه مصر بشدة.
وكانت مصر أيضًا نصيرًا قويًا للتحالفات المناهضة لتركيا في المنطقة. ففي عام 2019، شكلت اليونان وقبرص وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية وإيطاليا منتدى غاز شرق المتوسط، ومقره مصر، وتم استبعاد تركيا بشكل واضح من المنتدى. بالإضافة إلى ذلك  زادت إسرائيل واليونان وقبرص ومصر من تعاونهم الأمني.
ومع ذلك، هناك 3 أسباب على الأقل قد تجعل المرء يشكك في التزام مصر بالتوجهات الجيوسياسية الحالية. أولاً، تشير تقارير إلى محاولات للتقارب بين السعودية والإمارات ومصر من جهة وأنقرة من جهة أخرى حيث يشعرقادة هذه الدول بالقلق بشأن علاقتهم بإدارة "بايدن". وبالرغم أن هذه الدول لا تزال متشككة في تركيا، إلا أنها قد تتحوط من خلال إصلاح العلاقات الإقليمية.
ثانيًا، ترتبط الكتلة المناهضة لتركيا في شرق البحر المتوسط بتحالفات غربية، لكن القاهرة أظهرت مؤخرًا خطًا مستقلًا. ففي نوفمبر/تشرين الثاني، اشتركت مصر مع روسيا في أول تدريب مشترك لها في البحر الأسود وتخطط لشراء مقاتلات روسية من طراز "سوخوي-35"، بالرغم من تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات. وربما يكون تواصل مصر مع روسيا محاولة للتغلب على تركيا وليس انحرافًا عن الغرب. ومن المفارقات أن مصر قد تواجه مصيرًا مشابهًا لتركيا، التي أدت شرائها لمنظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400" إلى توتر علاقتها بواشنطن.
ثالثًا، لا تتوافق مصالح مصر تمامًا مع أثينا ونيقوسيا في جميع جوانب استغلال الطاقة. فبموجب اتفاق مع تركيا، ستحصل مصر على حقوق المياه التي تطالب بها قبرص واليونان حاليًا. بالإضافة لذلك خططت إسرائيل وقبرص واليونان (بدون مصر) لإنشاء خط أنابيب تحت البحر يمتد من قبرص إلى إيطاليا. 
وبالرغم أنه من غير المرجح أن تتغير سياسات مصر، إلا أن هذه الحقائق تساعد الإستراتيجية التركية. وحتى وقت قريب، كانت تركيا تعتمد بشكل شبه حصري على أسطولها البحري لفرض مطالبها. وقد تصدت السفن التركية لسفن استكشاف يونانية وقامت بحماية السفن التركية في رحلاتها الاستكشافية في المياة التي ترى قبرص واليونان أنها تابعة لها. ومع ذلك، فقد وحدت هذه الاستراتيجية إسرائيل مع اليونان وقبرص وربطتهما بشكل وثيق مع فرنسا وإيطاليا ومصر. ومع دمج الصفقات المتشابكة بين هذه الدول في كتلة متماسكة مناهضة لتركيا، اضطر "أردوغان" أخيرًا إلى معالجة عزلة تركيا في المنطقة.
إن تشكيل كتلة موحدة مناهضة لتركيا بدعم غربي قوي يمكن أن يترك أنقرة خارج النظام الاقتصادي الناشئ دون قدرة على اللجوء للخيار العسكري. وبالتالي، لن تجني تركيا أي فائدة من الغاز المكتشف حديثًا في شرق البحر المتوسط. ولمنع مثل هذه النتيجة، ابتعدت تركيا على مدى الأشهر الخمسة الماضية عن الاستراتيجية التي تعتمد فقط على المواجهة. وبدلاً من ذلك، ركزت على تخريب أو على الأقل إثارة الشكوك داخل الكتلة المناهضة لتركيا.
في أكتوبر/تشرين الأول، طرحت أنقرة التقارب مع القاهرة، وقد تسارعت هذه الاستراتيجية مع الهزيمة الانتخابية للرئيس "دونالد ترامب" الذي كان "أردوغان" يعتمد بشدة على علاقته الوثيقة به. وعلى النقيض من ذلك، من غير المرجح أن يقدم الرئيس "جو بايدن" تنازلات كبيرة لأنقرة.
حاولت أنقرة منذ نوفمبر/تشرين الثاني، بشكل متزايد كسر وحدة الدول التي تصطفت ضدها. وبعد التواصل مع إسرائيل في فصل الشتاء، يبدو أن تركيا حددت مصر كهدف دبلوماسي محتمل. ولا يزال التوتر بين القاهرة وأنقرة مرتفعًا، وربما يكون لدى مصر صعوبة في التخلي عن شركائها الناطقين باليونانية لصالح تركيا. ومع ذلك، بالنظر إلى سياسة مصر الخارجية المستقلة بشكل متزايد، فإن تطمينات "السيسي" لن تمحو تمامًا الشكوك حول مصداقيته في أثينا.
ومن المعروف أن خطوط أنابيب الغاز باهظة الثمن كما أنها تربط الدول ببعضها البعض بطرق يصعب تفكيكها. ربما تكون التقارير الصحفية التركية الأخيرة قد قوضت بعض الثقة الضرورية حول مثل هذه المشاريع.
يتعين على صانعي السياسة مراقبة المؤشرات الأخرى على أن سياسات القاهرة تتطور بالفعل. ومع ذلك، من المرجح أن تنجح الاستراتيجية التركية من خلال زرع حالة من عدم اليقين بين خصومها، مما يعقد جهدًا موحدًا لاستغلال حقول الغاز وحمايتها. ويبدو أن أنقرة أدركت أن هذه الاستراتيجية يمكن أن تكون فعالة مثل تلك التي تعتمد فقط على القوة البحرية، ومن المرجح أن تتبنى تركيا هذا النهج بشكل متزايد في المستقبل.