السبت 16 تشرين الأول 2021

التيجراي وسد النهضة.. تحديات معقدة تنتظر بايدن في إثيوبيا

التيجراي وسد النهضة.. تحديات معقدة تنتظر بايدن في إثيوبيا
اندلعت الحرب في منطقة تيجراي في إثيوبيا في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، وبعد 5 أشهر بات من الجليّ حجم المذبحة والتدمير وزعزعة الاستقرار التي حدثت.
وكانت شرارة الاقتتال هجوما على قواعد الجيش من قبل الجنود الموالين لجبهة "تحرير شعب تيجراي" التي تحكم المنطقة، والتي كانت على خلاف مع الحكومة الفيدرالية التي يرأسها رئيس الوزراء "آبي أحمد". لكن الحروب لا تحدث بين عشية وضحاها؛ وقد كانت هناك تحذيرات قبلها بالفعل من الاتحاد الأوروبي، ومجموعة الأزمات الدولية، وغيرها.

وكان الشيء الأكثر إثارة للقلق هو إضمار إريتريا لخطة حربية شبه واضحة، بعد أن عقد معها رئيس الوزراء "آبي أحمد" اتفاق سلام في عام 2018.
وكان الهدف الأوّلي لـ"آبي أحمد" هو تحجيم نفوذ "جبهة تحرير شعب تيجراي"، لكن أهداف شركائه في الائتلاف بدت أكثر طموحًا بكثير، ولم يكن رئيس إريتريا "أسياس أفورقي"، يهدف لأقل من إبادة أي قدرة سياسية أو اقتصادية لتيجراي.
أما الميليشيات من منطقة أمهرا فقد رأوها فرصة لانتزاع أرض جديدة، فيما وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية بأنها "تطهير عرقي".
ومنذ ذلك الحين، حدثت المذابح والاغتصاب الجماعي ونهب المستشفيات، كما تم استخدام التجويع كسلاح حرب، فيما يعد أزمة إنسانية عاجلة، وتهديدًا للسلام والأمن الدوليين.

تحديات الإدارة الأمريكية
في الشهر الأول، أيدت إدارة "ترامب" الحرب، ودعمت تصوير "آبي أحمد" لها باعتبارها "عملية إنفاذ قانون" محلية وأشادت بما سمته "ضبط النفس" لدى إريتريا، في وقت امتدت فيه انقسامات الجيش الإريتري عبر الحدود ووردت تقارير عن فظائعهم.

ولكن إدارة "بايدن" تتبنى سياسة أكثر اتزانا، ولكن يعوقها بطء عملية تولي مسؤوليها الرفيعين لمهامهم بشكل رسمي، وقد عبّر وزير الخارجية "أنتوني بلينكين" عن مطالب الولايات المتحدة، كما أوفد الرئيس "بايدن" السناتور "كريس كونز" لكي يوصل مدى الجدية التي تأخذ بها واشنطن الأزمة.
ومن المقرر تعيين مبعوث خاص للقرن الأفريقي، يقال إنه سيكون الدبلوماسي الكبير "جيفري فيلدمان"، كما إن مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "سامانثا باور" -التي تكرس نفسها بحماس للعمل ضد الفظائع الجماعية- بانتظار التأكيد.
لكن نهج "بايدن" قد لا يكن فعالا، حيث تقدم الحكومة الإثيوبية انطباعًا بالامتثال بما يكفي لتأجيل أي رجرادات جذرية بشأنها.
وكان أول مطالب "بلينكن" هو انسحاب القوات الإريترية، ودفع ذلك "آبي أحمد" -بعد أشهر من نشر القوات- للاعتراف بأن الجيش الإريتري موجود بالفعل وأنه سيطلب سحبه من الرئيس " أسياس".
لكن مشكلة "آبي" هي أنه إذا انسحبت إريتريا، فقد يفقد تيجراي، حيث قد تتغلب مقاومة تيجراي على جيشه المنهك. وقد تبنى " أسياس" سياسة ذكية عبر التموضع الاستراتيجي لوكلائه الأمنيين وقواته الخاصة داخل إثيوبيا، لدرجة أن حكومة "آبي" الهشة ستكون مهددة إذا انسحب.

وثانيا، أصرت الولايات المتحدة على وقف إطلاق النار والشروع في المفاوضات السياسية، وهذا أمر ضروري لإيقاف المذابح وحملة الأرض المحروقة المستمرة التي تعود باقتصاد تيجراي إلى العصر الحجري.
لكن يبدو أن "آبي" و"أسياس" مصممان على محاولة تنفيذ هجوم آخر لكسر "قوات الدفاع عن تيجراي"، ويبدو أنهم لم يدركوا أن استمرار الفظائع يقوي عزيمة شعب تيجراي على المقاومة.
وفي حديثه في 3 أبريل/نيسان، أقر "آبي" متأخرًا بأن حرب العصابات "الصعبة والمتعبة" محتملة، لكنه لم يذكر محادثات السلام.
وثالثا، طالب "بلينكن" بوصول غير مقيد لوكالات الإغاثة الدولية لتوفير الغذاء والدواء للجوعى. ولكن بدون توقف القتال، لا يستطيع المزارعون البدء في عملية الزراعة في الوقت الذي تحتم عليهم البدء في الحرث قريبا، قبل أن تأتي الأمطار في يونيو/حزيران، وإذا لم يكن هناك حصاد هذا العام، فسوف تتعمق مشكلة الجوع.
ويصل برنامج الأغذية العالمي والوكالات الدولية إلى حوالي 1.2 مليون شخص فقط من إجمالي 4.5 مليونًا يحتاجون الإغاثة العاجلة، ولكن هناك تقارير مفادها أنه بمجرد توزيع المواد الغذائية، فإن الجنود يهجمون ويأخذونها من المدنيين تحت تهديد السلاح، وبالتالي فإن جهد المساعدات حاليًا متأخر وقليل جدًا.

وأخيرا، ينبغي أن يكون هناك تحقيق مستقل في التقارير عن الفظائع، وهو التحقيق الذي بدأه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ولكن بالشراكة مع اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان. وهناك عيب في هذه الشراكة، يتمثل في صعوبة أن نتوقع من موظفي هيئة حكومية إثيوبية، مهما كانت نزاهتهم، أن يتحملوا الضغوط التي ستضعها السلطات عليهم، وسوف يرفض العديد من سكان تيجراي ما توصلوا إليه باعتباره منحازًا.
أزمة سد النهضة
وفي العام الماضي، تولت وزارة الخزانة مهمة محاولة التوسط في نزاع مياه النيل بين إثيوبيا ومصر، في خضم أزمة سد النهضة الذي ورثه "آبي أحمد" عن أسلافه، وهو قيد الإنشاء حاليًا على النيل الأزرق، ويراه كفخر وطني، بينما تراه مصر تهديدًا وجوديًا.

ولحماية مشروع سد النهضة الإثيوبي، شيدت وزارة الخارجية الإثيوبية تحالفًا من الدول الإفريقية على ضفاف النهر، مما عزل مصر وقلل من خطر المواجهة المباشرة.

ومنذ 18 شهرا، قوّض "آبي" محادثات مباشرة مع الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، الذي دعا الولايات المتحدة إلى التوسط، واثقًا من أن إدارة "ترامب" ستسهل طريقه. أما السودان، وهي طرف آخر في المحادثات، فليس أمامها أي خيار سوى أن تنحاز للقاهرة وواشنطن.

أدرك "آبي" خطأه، بعد أن أصبح عالقا، وتحقق السيناريو المتوقع من قبل دبلوماسييه؛ وأصبحت إثيوبيا هي المعزولة بعد أن أكدت مصر على عدالة طرحها وعلقت الولايات المتحدة بعض المساعدات، ومنذ ذلك الحين انهارت المحادثات مرارا وتكرارا، وصعد كل جانب من هجومه الخطابي.

وقد فاقم هذا الوضع استعداء "آبي أحمد" للسودان في خضم التحضير لاعتدائه على تيجراي. فقبل بضعة أيام من الحرب، طلب من رئيس مجلس السيادة السوداني الجنرال "عبد الفتاح البرهان" غلق الحدود السودانية.

ولم يكن يتوقع أن يتسبب ذلك في انهيار اتفاقية حدود هشة بين الجانبين، سمحت بموجبها السودان للمزارعين الإثيوبيين بالزراعة داخل الزراضي السودانية.

وهكذا قاد غلق الحدود لإخراج القوات السودانية لهؤلاء القرويين الأمهريين، مما أغضب حكومة أمهرا القوية وأشعل صراع حدود لا داعي له.
غياب الاتحاد الأفريقي
وهناك ما يعقد الوضع أكثر، حيث يمتد محور استبداد " أسياس" عبر إثيوبيا إلى الصومال، وهناك تهديد يحيط بعملية تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الصومال بعدما فشل الرئيس "محمد فارماغو" في الاتفاق على جدول زمني للانتخابات مع المعارضة، ورفض التنحي عندما انتهت فترة ولايته في فبراير/شباط.
وقد تم تدريب القوات الرئاسية الخاصة بـ"فارماجو" في إريتريا ويعتقد العديد من الصوماليين أنه يعتزم استخدامها لفرض حل عسكري على منافسيه.

وأصبح السلام والأمن الأفريقي في خطر، في ظل فشل الاتحاد الأفريقي في التصرف، وقد نجحت الضغوط الإثيوبية في جعل أجندة الاتحاد الأفريقي تتجاهل حرب إثيوبيا وزعزعة الاستقرار الإريترية للمنطقة (يقع مقر المنظمة في أديس أبابا).
ورفض "آبي أحمد" الوسطاء الأفارقة وأقنعهم بأن ما يحدث هو قضية محلية بحتة بما يكفي لمنع إجماع أفريقي ضد الحرب.
كما إن غياب إجراءات من الاتحاد الأفريقي أعطى ضوءا أخضرا لروسيا والصين للتهديد بحق الفيتو لأي قرار في مجلس الأمن. وفي الشهر الماضي، حاولت الولايات المتحدة في هذا الطريق وفشلت.
ويلقي ذلك بالمسؤولية كاملة على الولايات المتحدة وأوروبا للتصرف وحدهم من خلال مجموعة الدول الصناعية السبع واجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وفي وسط هذه الفوضى، يقف "آبي" الذي أخطأ عند كل منعطف وأفرط في الوعود وقدم صورة خاطئة عن الواقع وصنع أعداء بلا داعي وزج بنفسه في تحالفات خطيرة.
والآن يبدو الذين دعموا خطابه للإصلاح والسلام سذجًا على الأقل، فقد ظهر أنه ليس أداة للتوافق، بل وكيل للاستقطاب.
وربما أكثر ما يهم الفريق الدبلوماسي الأمريكي القادم إلى أثيوبيا، أن الزعيم الإثيوبي أظهر مزيجا خطيرا من فرط الاعتداد بالذات وسوء الحكم مما يجعله طرفا غير جدير بالثقة يتربع على قمة بلد هش يضم 110 مليون شخص في منطقة متقلبة، وبالتأكيد ليس هناك حل واضح لهذه المشكلة المستعصية.