الخميس 21 تشرين الأول 2021

أميركا تراجع "وثائق باندورا" وبريطانيا تعد بالنظر فيها


النهار الاخباريه  وكالات
أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، في مؤتمر صحافي اعتيادي، الاثنين 4 أكتوبر (تشرين الأول)، أن الولايات المتحدة تراجع ما كشفت عنه وثائق مالية مسربة تُعرف باسم "وثائق باندورا"، لكنها ليست في وضع يسمح لها بالتعليق على تفاصيل.
في سياق متصل، وفي زيارة مقررة سلفاً إلى منطقة نائية التقى خلالها بزعماء عشائر، هاجم ملك الأردن، عبد الله الثاني، أولئك الذين اتهمهم بالسعي للفتنة قائلاً إن "هنالك حملة على الأردن، ولا يزال هناك مَن يريد التخريب ويبني الشكوك". وأضاف العاهل الأردني، من دون أن يتطرق إلى التسريب بوضوح، "لا يوجد ما يتم إخفاؤه"، مؤكداً أن الأردن سيبقى أقوى "فهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهدافه".
في سياق متصل، قال رئيس الوزراء اللبناني السابق، حسان دياب، الاثنين، إنه تخلى عن أسهم في شركة كان على صلة بها ذُكرت في تسريب لوثائق مالية، ونفى ارتكاب أي مخالفات.
وذكر بيان لمكتبه "أوردت بعض وسائل الإعلام نقلاً عما يسمى وثائق باندورا أن الرئيس الدكتور حسان دياب تولى إدارة شركة... وأنه يحمل 17 سهماً من ملكيتها". وقال البيان إن دياب "شارك في تأسيس الشركة المذكورة في عام 2015، لكنها لم تقم بأي عمل منذ تأسيسها وإلى حين قدم استقالته منها وتنازل عن أسهمه فيها في عام 2019".
بريطانيا ستنظر

وكان وزير المالية البريطاني ريشي سوناك قال في وقت سابق الإثنين، إن مسؤولي الضرائب بالبلاد سينظرون في تسريب وثائق مالية نشرتها مؤسسات إعلامية تربط قيادات عالمية بإخفاء ثروات.
وقال سوناك لـ"سكاي نيوز"، "اطلعت على هذه الأشياء خلال الليل... من الواضح أنه من الصعب علي التعليق عليها على وجه التحديد نظراً لأنها ظهرت للتو، وبالطبع ستنظر إدارة صاحبة الجلالة للإيرادات والجمارك في ذلك لنرى ما إذا كان هناك أي شيء يمكننا معرفته".
هذا التعليق البريطاني الرسمي جاء بعد عمل دؤوب على مدار خمس سنوات قام به أكثر من 650 صحافياً من 117 دولة، تم كشف النقاب عن الثروات والمعاملات السرية لقادة عالميين وسياسيين وأثرياء، في واحدة من أكبر تسريبات الوثائق المالية التي تتحدث عن اللجوء إلى شركات تقدم خدمات خارجية في الملاذات الضريبية حول العالم.
تشمل هذه الملفات التي يطلَق عليها اسم "وثائق باندورا" أسماء حوالى 35 من القادة العالميين الحاليين والسابقين، وأكثر من 300 مسؤول حكومي.
من بين الكشوفات، أن ملك الأردن يمتلك سراً عقارات في بريطانيا والولايات المتحدة تبلغ قيمتها 70 مليون جنيه استرليني (حوالى 94 مليون دولار).

واتصلت "اندبندنت عربية" بالديوان الملكي الأردني للحصول على تعليق بشأن الاتهامات الواردة في وثائق "باندورا" ولم تحصل بعد على تعليق بهذا الشأن.
كما أوضحت الوثائق كيف تمكن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وزوجته من التهرب من دفع 312 ألف جنيه استرليني (422 ألف دولار) من الرسوم المفروضة على حيازة العقارات في بريطانيا عندما اشتريا مكتباً في لندن، حيث اشترى الزوجان شركة تتخذ ملاذاً ضريبياً كمقر لها، وتمتلك تلك الشركة المبنى.
"لا علاقة لبلير وزوجته"
وتعليقاً على ورود اسمه في "وثائق باندورا" قال متحدث باسم رئيس وزراء بريطانيا السابق وزوجته في بيان لـ "اندبندنت عربية" إنه "لا ينبغي الزج باسم عائلة بلير في قصة حول الأسرار الخفية لرؤساء الوزراء وغيرهم". موضحاً أن بلير وزوجته "قاما بشراء العقار المذكور للأعمال القانونية ومؤسسة (شيري بلير) من خلال وكلاء العقارات ذوي السمعة الطيبة، وجميع المعاملات مسجلة للجمهور. كان البائع شركة خارجية (أوفشور)، ولم يكن لدى عائلة بلير أي علاقة على الإطلاق بالشركة الأصلية أو من يقف وراءها".
وأضاف أن رئيس وزراء بريطانيا السابق وزوجته سيكونان مسؤولين عن دفع ضريبة أرباح رأس المال إذا قاموا ببيعه في المستقبل، مؤكداً أنهما يدفعان الضريبة الكاملة على جميع أرباحهما، ولم يتم استخدام الشركات الخارجية لإخفاء المعاملات أو لتجنب الضرائب.
وأشار المتحدث "كنا نتجادل مع برنامج (بانوراما) و(ذا غارديان) منذ أسابيع عدة. لقد جاءا إلينا في الأصل بمجموعة من 25 سؤالاً مفصلاً، وكلها تستند إلى افتراض خاطئ بأننا قد طورنا مخططاً للتهرب الضريبي في الخارج... وعندما انهارت هذه القصة كما أوضح محامونا ومحاسبونا أنه لا توجد حقيقة على الإطلاق في هذه القضية وطريقة البيع تم تحديدها من خلال البائع الذي لا علاقة لنا به، فقد حاولا بعد ذلك التلميح إلى ارتكاب المخالفات في سرد ​​حول التهرب الضريبي وهو أمر غير عادل بشكل صارخ".
ويُعد الحصول على عقارات في المملكة المتحدة بهذه الطريقة أمراً قانونياً، ولا يُلزم بدفع رسوم "ستامب ديوتي"، لكن بلير كان ناقداً شديداً في السابق للثغرات الضريبية والتهرب الضريبي، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي". وقد استُخدم المنزل في مارليبون وسط لندن، مقراً لمكتب للاستشارات القانونية للسيدة بلير، التي تقدم المشورة للحكومات في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن استخدامه مقراً لمؤسستها الخاصة بالنساء.
وتحدث التسريب عن ارتباط بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأصول مالية سرية في موناكو. وحاولت "اندبندنت عربية" الاتصال بالمكتب الإعلامي للرئاسة الروسية لكنها لم تتلق رداً. بينما نفى الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الاثنين، ما ورد في التسريبات، التي انطوت على حد تعبيره على "اتهامات لا أساس لها"، وذلك رداً على اتهامات جاء فيها أن امرأة كانت على علاقة بالرئيس فلاديمير بوتين اشترت عقاراً في موناكو بقيمة أربعة ملايين دولار.
ووجدت الوثائق أن رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيس، الذي سيخوض الانتخابات في وقت لاحق هذا الأسبوع، لم يعلن عن استخدام شركة استثمار تتخذ من ملاذ ضريبي مقراً لها، لشراء عقارين سكنيين فخمين مقابل 12 مليون جنيه استرليني (16 مليون دولار) في جنوب فرنسا.
وعلق بابيس في تغريدة "لم أقدم يوماً على أي فعل غير قانوني. لكن هذا لا يمنعهم من محاولة التشهير بي والتأثير على الانتخابات التشريعية التشيكية".
وتعد هذه التسريبات الأحدث في سلسلة من التسريبات بدأت عام 2016 ، وتأتي بعد عملية تفحص ضخمة للملفات نظمها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.
وبفضل تحقيق مشترك بين برنامج بانوراما في "بي بي سي" وخدمة "بي بي سي" عربي وصحيفة "ذا غارديان" وشركاء إعلاميين آخرين، تم الوصول إلى 12 مليون وثيقة من 14 شركة خدمات مالية موجودة في دول من بينها جزر فيرجن البريطانية، وبنما ودولة بليز وقبرص والإمارات العربية المتحدة وسنغافورة وسويسرا.
غسيل أموال وتهرب ضريبي
بموجب هذه التسريبات، تواجه بعض الشخصيات مزاعم بالفساد وغسيل الأموال والتهرب الضريبي العالمي. لكن أحد أكبر الاكتشافات هو كيف أنشأت شخصيات بارزة وثرية بشكل قانوني شركات لشراء العقارات سراً في بريطانيا، وأن مالكي حوالى 95 ألف شركة، تتخذ من الملاذات الضريبية مقراً لها، كانوا وراء عمليات الشراء، وأن الحكومة البريطانية لم تعد سجلاً عقارياً لأصحاب تلك الشركات على رغم وعود متكررة للقيام بذلك وسط مخاوف من أن بعض المشترين ربما يخفون أنشطة غسيل أموال.
ومن الأمثلة على ذلك الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وعائلته، الذين اتُهموا بنهب بلدهم، حيث وجد التحقيق أن آل علييف وبعض شركائهم، متورطون سراً في صفقات عقارية في بريطانيا، تبلغ قيمتها أكثر من 400 مليون جنيه استرليني (540 مليون دولار).
وتكشف الوثائق كيف اشترت الأسرة، 17 عقاراً لابن الرئيس حيدر علييف البالغ من العمر 11 سنة. بدورها تقول الحكومة البريطانية إنها تتخذ إجراءات صارمة ضد غسيل الأموال بقوانين إنفاذ أكثر صرامة، وإنها ستقدم سجلاً للشركات التي تتخذ من الملاذات الضريبية مقراً لها وتمتلك عقارات في بريطانيا، عندما يكون ذلك متاحاً.
يشار إلى أن العديد من المعاملات الواردة في الوثائق لا تنطوي على مخالفات قانونية. لكن يقول فيرغوس شيل، من الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين "لم يكن هناك أي كشف بهذا الحجم على الإطلاق، لكن التحقيقات تظهر حقيقة ما يمكن أن تقوم به الشركات التي تتخذ من الملاذات الضريبية مقراً لها، لمساعدة أناس على إخفاء الأموال المشبوهة أو تجنب الضرائب... إنهم يستخدمون تلك الحسابات والصناديق الائتمانية الخارجية، لشراء عقارات بمئات الملايين من الدولارات في بلدان أخرى، ولإثراء عائلاتهم، على حساب مواطنيهم". ويعتقد الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن التحقيق "يفتح صندوقاً ملئياً بالألغاز".
الرد الملكي الأردني
وفي رد على "وثائق باندورا" قال الديوان الملكي الأردني إن الملك عبد الله يمتلك عدداً من الشقق والبيوت في الولايات المتحدة وبريطانيا "وهذا ليس بأمر جديد أو مخفي". وأضاف البيان "كلفة هذه الممتلكات وجميع التبعات المالية المترتبة عليها تمت تغطيتها على نفقة الملك الخاصة كما هو الحال فيما يتعلق بالمصاريف الشخصية الخاصة بجلالة الملك وأسرته"، البيان استهجن كل التقارير عن ممتلكات الملك عبد الله مضيفاً "نحتفظ بحق اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة".
وتُظهر الوثائق المالية المسربة كيف كوّن ملك الأردن سراً إمبراطورية عقارات بين بريطانيا والولايات المتحدة.
وتحدّد الوثائق شبكة من الشركات التي تتخذ من جزر فيرجن البريطانية وغيرها من الملاذات الضريبية، مقرا لهاً والتي استخدمها الملك عبدالله الثاني بن الحسين لشراء 15 عقاراً منذ وصوله إلى عرش الأردن عام 1999.
وقد تم تكوين تلك المصالح العقارية فيما واجه الملك عبدالله، اندلاع احتجاجات في السنوات الأخيرة في بلاده، وسط إجراءات تقشفية وزيادات ضريبية. لكن محامي الملك يقولون إنه تم شراء جميع الممتلكات بثروة الملك الشخصية وإنه يستخدمها لتمويل مشاريع لصالح المواطنين الأردنيين. وعزوا اللجوء إلى شراء العقارات عبر شركات تتخذ من الملاذات الضريبية مقراً لها إلى أسباب تتعلق بالخصوصية والأمن.
ومن بين كشوفات وثائق باندورا الأخرى:
- جمع الرئيس الكيني أوهورو كينياتا وعائلته ثروة شخصية تقارب 500 مليون دولار من خلال شركات خارجية.
- امتلاك أعضاء في الدائرة المقربة من رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان سراً شركات وصناديق ائتمانية بملايين الدولارات.
- ادعاء شركة المحاماة التي أسسها الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسياد وجود مُلّاك وهميين لإخفاء المالك الحقيقي لسلسلة من الشركات الخارجية، وهو سياسي روسي سابق اتُهم بالاختلاس، لكن شركة المحاماة تنفي ذلك.
- نقل الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي حصته إلى شركة خارجية سرية قبل فوزه في انتخابات 2019.
- استبدال رئيس الإكوادور غييرمو لاسو صندوقاً ائتمانياً مقره في ساوث داكوتا في الولايات المتحدة بمؤسسة بنمية كانت تقدم مدفوعات شهرية لأفراد عائلته المقربين.
وفي هذا السياق، أعلنت بنما عن خشيتها من "وثائق باندورا"، قائلة ضمن رسالة أرسلتها إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين إن "الأضرار قد تكون غير قابلة للإصلاح". وتحذر الرسالة من أن "أي منشور" يعزز "التصوير الخاطئ" لبنما كملاذ ضريبي محتمل "ستكون له عواقب وخيمة على البلد وشعبه".
وأشارت الرسالة إلى العديد من الإصلاحات التي نفذتها خلال السنوات الماضية، وأوردت أنه تم منذ عام 2016، تعليق تسجيل أكثر من 395 ألف شركة ومؤسسة، أي ما يعادل نصف تلك التي كانت موجودة حينها، ومع ذلك لا تزال بنما مدرجة على قائمة الملاذات الضريبية لدى فرنسا والاتحاد الأوروبي.
وتخشى الحكومة البنمية من أن تواجه البلاد مرة أخرى فضيحة جديدة تتعلق بالملاذات المالية، بعد تلك التي أثارها تحقيق سابق أجراه الاتحاد الدولي للصحافة الاستقصائية في عام 2016  باسم "وثائق بنما".
وكانت فضيحة "وثائق بنما" بدأت في 30  أبريل (نيسان) 2016 مع تسريب 11.5 مليون وثيقة رقمية من مكتب "موساك فونسيكا" للمحاماة الذي أعلن وقف كل نشاطاته بعد عامين بسبب هذه الفضيحة.
وأدت تلك الوثائق الحساسة إلى سلسلة من الأحداث المفاجئة في العالم، من بينها استقالة رئيس الوزراء الآيسلندي سيغموندور ديفيد غونلوغسون، ومن ثم رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف.
وبحسب المركز الأميركي للنزاهة العامة، أدى التسريب إلى فتح 150 تحقيقاً على الأقل في 79 بلداً في قضايا تهريب ضريبي أو تبييض أموال، وتسلط هذه الوثائق الضوء على الأسرار المالية لبعض أغنى أغنياء العالم.