الإثنين 6 كانون الأول 2021

هل يضع رفع الأجور حدا لغضب الشارع الجزائري؟


النهارالاخباريه - وكالات
تسارع الحكومة الجزائرية الزمن من أجل إيجاد حلول تخفف من حدة غضب الشارع الذي يعاني تدهور القدرة الشرائية مع ارتفاع الأسعار، ولعل اللجوء إلى رفع الأجور أحد الحلول التي يرى الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمن أنه بإمكانها تهدئة الجبهة الاجتماعية.
الحلول الترقيعية
وأعلنت الحكومة أنها بصدد مراجعة شبكة الأجور، بالتزامن مع الانتهاء من إعداد سجل موحد في إطار السياسة الاجتماعية للدولة الرامية إلى "استهداف أمثل للدعم الموجه للفئات الهشة والمعوزين"، وقال الوزير الأول إن "الحكومة أخذت مسألة تثمين الأجور بالجدية المطلوبة وسجلتها كمحور هام في برنامجها، وستعالجها وفق مقاربة تشاركية شاملة، ضمن عملية إصلاح واسعة لمنظومة الوظيف العمومي"، مشدداً على أن الحكومة ستعمل على إنجاز تقييم دقيق لسياسات الأجور بناء على تحقيقات ودراسات تخص جميع النشاطات بما فيها القطاعات الاقتصادية، ومن شأن هذه الدراسات أن توجه خيارات الحكومة في مجال سياسات الأجور والمداخيل المعمول بها وطنياً.
وأبرز بن عبد الرحمن أن الحل الجذري للحفاظ على القدرة الشرائية بعيداً عن الحلول الظرفية، يكمن في إنعاش الاقتصاد ودعم نموه وتحقيق الحركية الاقتصادية، بما يفضي إلى زيادة الثروة وخلق فرص العمل، والتي تعتبر أساس حلول مختلف المشاكل الاقتصادية والاجتماعية خارج الحلول الترقيعية، مضيفاً أن مخطط عمل الحكومة ركز على ضرورة تعزيز التماسك الاجتماعي عن طريق رفع القدرة الشرائية للمواطنين وتدعيمها وتحسين التكفل بالفئات الهشة، بخاصة منهم ذوي الهمم والمسنين والعائلات عديمة الدخل أو ذات الدخل الضعيف.
اهتمام الحكومة
ويكشف اهتمام الحكومة بتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وكذلك السعي لرفع الأجور، عن "تحسس" من احتقان قد تستغله جهات لإثارة الفوضى، بخاصة أن الوزير الأول، وبهدف طمأنة المواطنين، أشار إلى الجهود المبذولة من أجل محاربة الممارسات الاحتكارية والمضاربة التي تعد عوامل رئيسة لارتفاع الأسعار، مبرزاً أن "الدولة تضمن من خلال مؤسساتها المختلفة تزويد السوق بالكمية والنوعية المطلوبتين من خلال قطاعات الفلاحة والصيد البحري والصناعة، والصناعة الصيدلانية، على سبيل المثال"، وأوضح أنه تم اتخاذ اجراءات الاستعجالية لضمان التموين المنتظم للسوق واستخدام مختلف آليات الضبط لكبح ارتفاع الأسعار.
المفعول العكسي؟
وفي السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع مصطفى راجعي أن رفع الأجور هو الذي سيؤدي الى المزيد من الاحتقان في الشارع، وهذا ما يسمى بالمفعول العكسي غير المتوقع للإجراءات السياسية التدخلية، وقال إن الأجور نوعان: أجور القطاع الخاص وهي اقتصادية تخضع لمنطق السوق والعرض والطلب على العمالة، أما أجور القطاع الحكومي فهي سياسية وإدارية تحددها الحكومة من خلال القانون إما استجابة لضغوط الموظفين أو سخاء من الموظفين الحكوميين لأنفسهم كما هي حال أجور كبار الموظفين.
ويشير راجعي إلى أنه عندما تقرر الحكومة التدخل في سعر العمل أو سعر وقت العمل، أي الأجور، فإن تصرفها يؤدي الى عكس النتيجة، على اعتبار أنها من خلال سنّ قانون مثلاً لرفع الحد الأدنى الأجور أو استحداث علاوات أو تخفيضات ضريبة التي تؤدي كلها إلى رفع الأجور الإسمية وليس الفعلية، فهي بذلك ترفع مستوى الأجر ولكنها تضعف قدرة المواطنين على شراء السلع والخدمات، لأن الحكومة تقوم فقط بزيادة كمية النقود التي تطبعها وتوزعها على الموظفين أو تفرض على الشركات الخاصة رفع الحد الأدنى للأجور، وهو ما لا يؤدى إلى خلق سلع جديدة أو خدمات جديدة في حين أن النقود هي أداة الحصول على السلع والخدمات.
ويتابع أستاذ علم الاجتماع أنه إذا زادت كمية النقود وبقيت كمية السلع والخدمات على حالها، فإن ذلك سيسبب أزمة، إذ تكثر النقود وتقل السلع وبالتالي ترتفع الأسعار، موضحاً أنه بذلك يكتشف الناس أن زيادة الأجور تبخرت مع ارتفاع الأسعار، وهذا الذي يطلق عليه الاقتصاديون "التضخم النقدي"، وهو أنواع، ومنه التضخم الجامح الذي يبلغ ثلاثة أرقام كما هي الحال في لبنان وفنزويلا، وختم أنه من الأفضل بقاء الأجور على حالها حتى لا يكون هناك احتفان.
اختلالات في توازن المنظومتين الاقتصادية والاجتماعية
وباتت الاختلالات في توازن المنظومتين الاقتصادية والاجتماعية ظاهرة للعيان، سواء على مستوى الأرقام أو الحياة اليومية للموطنين، أو النشاط التجاري والاقتصادي، من ارتفاع الأسعار إلى تصاعد معدل التضخم موازاة مع تراجع قيمة العملة المحلية، الوضع الذي استدعى تدخل الحكومة بعيداً عن "الشعبوية" التي تنادي برفع الأجور من دون وجود نظير لها في مجال الإنتاج الاقتصادي، وهو ما قد يؤدي في حال اعتمادها إلى انحراف تضخمي بزيادة أعلى من 20 بالمئة، ما ينعكس سلباً على الفئات الأكثر حرماناً، لا سيما أن التجارب السابقة أثبتت فشلها حين لجأت إلى إجراءات ترقيعية مبنية على الريع البترولي من أجل تهدئة الطبقة الاجتماعية، إذ تمثل التحويلات الاجتماعية 23.7 بالمئة من الميزانية العامة للدولة، و9.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لـ 2021.
مخطط تنموي استعجالي
إلى ذلك، اعتبر الناشط السياسي مراد بياتور أن الوعود التي لم تر النور والارتجالية في تسيير الشأن العام، والخطاب الشعبوي للسلطة ومعظم الطبقة السياسية، خلّفت آثاراً وخيمة في ذهنية المواطن الذي يتعطش للخطاب العقلاني، وقال إن الجزائر بحاجة إلى مخطط تنموي استعجالي يشمل العديد من القطاعات، مشدداً على أن الاعتماد على الاقتصاد الربيعي هو أساس كل المشاكل المالية في البلاد، وأضاف أن هناك عرقلة متعمدة للاستثمار، وكبح كل المبادرات الاقتصادية الرامية إلى خلق الثروة، وعليه فإنه على صناع القرار أن يتيقنوا أن السيادة الوطنية أصبحت مرتبطة في الدرجة الأولى بمفهومين، هما الأمن الغذائي والأمن المعلوماتي، سائلاً، كيف لدولة بحجم قارة أن تستورد الحبوب؟ وكيف لدولة دخلت في حرب باردة أن تقوم بإيواء أهم مواقعها وقاعدات بياناتها في مراكز دولة تعتبر "عدواً" أزلياً للجزائر؟