الإثنين 18 تشرين الأول 2021

هل تفتح السلطات الليبية تحقيقا مع المشاركين في قتل القذافي؟

النهارالاخباريه- طرابلس 
إذا كانت خطوة إطلاق الساعدي نجل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، وسكرتيره الخاص أحمد رمضان، فاجأت كثيرين في ليبيا، بخاصة مع إعلان السلطات الليبية توجهها نحو عملية مصالحة شاملة مع رموز وأنصار النظام السابق، يبدو أن الأيام المقبلة ستكون حبلى بمفاجآت أشد وقعاً وتأثيراً، بخاصة بعدما كشفت تقارير صحافية عن نية الحكومة الموحدة فتح باب التحقيق في ملابسات قتل معمر القذافي، التي أثارت جدلاً واسعاً وقت حدوثها، وانتقادات منظمات حقوقية وإنسانية عدة.
تحقيق بعد طول انتظار
بعد عقد على مقتل القذافي على يد مجموعة من الثوار المناهضين لحكمه، قرب مسقط رأسه مدينة سرت، في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، تتجه السلطات الليبية إلى الاستجابة لنداء وجِّه قبل عشر سنوات، بالتحقيق في ملابسات عملية القتل، التي وصفتها منظمات حقوقية بـ"الوحشية".
ونشرت تقارير صحافية معلومات أفادت بأن وزارة العدل في الحكومة الليبية الموحدة قد تستجيب لطلب مقدم من عائلة القذافي للنائب العام بـ"كشف ملابسات مقتله ونجله" المعتصم القذافي، بعد القبض عليهما حيَّين، من قبل قوات تابعة لمدينة مصراتة، والقصاص من كل الأطراف التي شاركت في عملية القتل.
وليس التحقيق في ملابسات عملية قتل القذافي وابنه، هو الدعوة الوحيدة الموجهة من عائلة القذافي إلى سلطات البلاد الجديدة، التي أبدت أخيراً تجاوبها معها، بعدما صرحت قيادات عسكرية كبيرة في مصراتة عن استعدادها للكشف عن مكان دفن الرجلين وتسليم الرفات إلى عائلتهما.
وكانت السلطات الليبية المتعاقبة بعد الثورة أخفت مكان دفن القذافي وابنه المعتصم، طيلة العقد الماضي، على الرغم من النداءات الكثيرة من عائلته وقبيلته للكشف عن مكان الدفن.
لكن القيادي العسكري المعروف في مدينة مصراتة، صلاح بادي، الملاحق دولياً بمذكرات صادرة عن الولايات المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية، صرح قبل أيام قليلة عن استعداده للكشف عن مكان دفن القذافي وابنه ووزير دفاعه الأسبق، أبو بكر يونس جابر.
وقال بادي في حوار عبر منصة "كلوب هاوس"، إنه كان "أحد المشاركين في دفن القذافي ونجله المعتصم، ووزير الدفاع أبو بكر يونس"، وإنه مستعد "للكشف عن مكان دفنهم".
استجابة لطلب قديم
ولم تكن عائلة القذافي الوحيدة التي طالبت بالتحقيق في واقعة قتل القذافي والتمثيل بجثته، في عام 2011، إذ طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بعد أيام من مقتله ورفاقه، بالتحقيق في انتهاكات محتملة ارتكبتها المجموعة التي قبضت على مَن بقي حياً منهم، بعد معارك وقصف شاركت فيه طائرات حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقالت وقتها إن "على المجلس الوطني الانتقالي أن يفتح سريعاً تحقيقاً مستقلاً ومحايداً بمشاركة دولية في وفاة القائد الليبي السابق، معمر القذافي وابنه المعتصم".
ونشرت المنظمة الدولية وقتها تقريراً مهماً سرد تفاصيل صادمة حول الطريقة التي تمت بها تصفية القذافي وبعض قياداته العسكرية والمقربين منه، قالت فيه سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش" آنذاك، إن "هناك أدلة كافية تستوجب فتح تحقيق موثوق في وفاة القذافي وابنه المعتصم، ومن المهم معرفة كيف ماتا، فهذا من شأنه الإشارة إلى ما إذا كانت ليبيا الجديدة ستُحكَم بسيادة القانون، أم بالعنف ومن دون لجوء إلى القضاء".
وأوضحت ويتسن أن "القتل العمد للأسرى يُعد جريمة جسيمة بموجب قوانين الحرب، وهو جريمة حرب يمكن أن تتولاها المحكمة الجنائية الدولية. وتُلزم قوانين الحرب الأطراف في النزاعات بتوفير الرعاية الطبية للمقاتلين الأسرى".
وسردت المنظمة الحقوقية تفاصيل جمعتها تعزز افتراضاتها بوجود انتهاكات كبيرة أثناء عملية القبض على القذافي وبعدها، قائلةً إن "أول مقطع فيديو معروف للرئيس الليبي السابق رهن الاحتجاز، بحسب التقارير، التُقط بعد لحظات من أسره، يظهر فيه القذافي حياً وإن كان ينزف من جانب وجهه الأيسر ويُرى المقاتلون المعارضون له في المقطع، وهم يقتادونه بينهم من حيث تم أسره في سرت، ويُسمع في خلفية المقطع صيحات من نوع: لا تقتلوه، نريده حياً".
وتابعت "هناك مقطع فيديو آخر، يبدو أنه التُقط بعد الأول، يظهر فيه المقاتلون وهم يضعون القذافي على ظهر سيارة، وهو يمسح الدم عن وجهه، وآخر يظهر فيه وهو يتم إنزاله من السيارة على يد مجموعة غاضبة من الأشخاص، يبدو أنهم يضربونه".
وبيّنت "هيومن رايتس ووتش" أنها "عاينت لوقت قصير جثمان معمر القذافي في 21 أكتوبر 2011، وكان داخل مبرد للحوم في مصراتة، حيث اصطف المئات من سكان المدينة أمامه لرؤية جثته. ومَن كانوا يحرسون الجثة لم يسمحوا للمنظمة بقلب الجثمان أو بإجراء فحص مدقق، لكن ظهر بوضوح جرح ناجم عن رصاصة دخلت في الجانب الأيسر من جبينه. ولم تشاهد دلائل على وجود جرح آخر لخروج الرصاصة على الجانب الآخر، وشُوهد جرحان، كل منهما طوله نحو البوصة، في منتصف جذعه. ولم تتمكن المنظمة من تحديد سبب الوفاة".
ملابسات مقتل المعتصم القذافي
ونشرت "هيومن رايتس ووتش" تفاصيل أخرى وقتها عن عملية قتل نجل القذافي المعتصم، قائلةً إن "هناك مقاطع فيديو توحي بقوة بأنه قُتل بعدما قُبض عليه ويظهر فيها رهن الاحتجاز ويرتدي ثياباً رثة غارقة في الدماء، ويدخن سيجارة داخل حجرة، ولا تظهر في المقطع جروح في رقبته أو وجهه، ثم هناك صور لاحقة للجثمان يبدو عليها بوضوح جرح غائر في مقدمة عنقه".
وأشارت المنظمة أيضاً إلى أنها "اطلعت لمدة قصيرة على جسد معتصم من الأمام، في 20 أكتوبر بمصراتة، ورأت جرحاً كبيراً في حلقه، لم يكن واضحاً إن كان هذا الجرح هو سبب الوفاة".
هل يفتح التحقيق؟
وعلّق المحامي عبد الحميد يوسف، على الأنباء التي تفيد بنية السلطات الليبية فتح تحقيق في انتهاكات محتملة ارتُكبت قبل وأثناء وبعد مقتل القذافي، إبان ثورة فبراير (شباط) 2011، قائلاً إن "هذا الأمر لو صحّ سيكون اختباراً حقيقياً يظهر مدى قدرة السلطات الجديدة على محاكمة كل مَن ارتكب جرائم خلال العقد الماضي، بداية من مقتل القذافي ووصولاً إلى يومنا الحالي".
وأضاف "قلت هو تحدٍّ حقيقي لأسباب وجيهة، على رأسها أن مَن شاركوا في عملية قتل القذافي بعضهم رؤوس كبيرة من قادة الكتائب في مصراتة، وجلبهم إلى قفص الاتهام للمحاكمة لن يكون أمراً يسيراً وهيناً".
ورأى يوسف أن "جهات كثيرة ستعمل على عرقلة التحقيق في مقتل القذافي أو حتى منع فتحه، منها جهات خارجية أسهمت في العملية، وداخلية لم تتوقف انتهاكاتها طيلة السنوات الماضية، منها قضايا متعلقة بجرائم ارتُكبت في حق مدن موالية للرئيس السابق، أدت إلى مقتل كثيرين منهم وتهجير سكان مدن بأكملها. وكل مَن أسهم في هذه الانتهاكات سيعمل على عرقلة جلب ملفاتها إلى ساحات المحاكم".