الجمعة 22 تشرين الأول 2021

نظام الحكم بعد عام 2011 في تونس يعيد الحنين إلى نظام حكم الفرد


النهار الاخباريه- تونس
يبدو أن تفتت السلطة في تونس بين أطراف عدة جعل النظام السياسي يفشل في تحقيق الاستقرار السياسي الذي تسبب بدوره في تأزم الأوضاع في تونس على مستويات عدة، إلا أن بعد إجراءات 25 يوليو (تموز) الماضي، وقرار الرئيس قيس سعيد تجميد أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، أعاد هذا التغيير إلى التونسيين، الحنين إلى النظام الرئاسي، الذي حكم البلاد منذ الاستقلال وحتى ثورة يناير (كانون الثاني). ويرى مراقبون أن سبب هذا الحنين هو فشل منظومة الحكم التي قادتها الأحزاب بعد الثورة.
ومع دخول الدستور التونسي الجديد حيز التنفيذ في عام 2014، أخذ نظام الحكم منحىً جديداً، إذ كان رئيس الجمهورية يستحوذ على السلطة منذ الاستقلال، بينما تميز النظام الجديد بتوزيع النفوذ بين رئيسَي الجمهورية والحكومة لتحقيق التوازن.
وبعد اختلافات طويلة أخرت صدور الدستور لسنتين، تمحورت حول طبيعة النظام السياسي، بين من يريده نظاماً برلمانياً ومن يفضل نظاماً رئاسياً. وتم الاتفاق في دستور عام 2014 على اعتماد نظام تشاركي يحد من هيمنة رئيس الجمهورية على الدولة ويعطي البرلمان جزءاً مهماً من السلطة، لكن هذا النظام التشاركي الذي وصِف بالديمقراطي، أصبح كابوساً لقسم كبير من التونسيين، الذين أكدوا فشله، ما جعل رئيس الجمهورية يطرح إعادة النظر فيه، بموجب الفصل 80 المثير للجدل.
متطلبات المرحلة الحالية
ورأى الكاتب الصحافي بسام حمدي أن "فشل المنظومة السياسية والأحزاب برمتها في تحقيق أي مكسب من مكاسب الثورة جعل التونسيين يملون ويفقدون الثقة والأمل في النظام السياسي الذي تحتكم إليه البلاد. وذلك لاعتبارات عدة أهمها أن المسؤولية السياسية والاخلاقية تشتت، بشكل جعل الناخب التونسي غير قادر على تحديد مسؤولية الفشل وغير قادر أيضاً على محاسبة من أوصل البلاد إلى هذا الحال، بخاصة أن الحكومات تتغير كل فترة". وأضاف حمدي "كما تأكد للتونسيين أن النظام المختلط غير قادر على تحقيق الاستقرار السياسي والحكومي بحيث تسقط أي حكومة بمجرد انقلاب موازين القوى تحت قبة البرلمان وبالتالي اتضح للمواطنين أن هذا النظام أخل بقواعد النظام السياسي والانتخابي. ولم يعد البرلمان يمثل توجهات الشعب بل أصبح يمثل مصالح الأحزاب وبالتالي لم يعد هذا النظام البرلماني يتماشى ومتطلبات المرحلة الحالية".
واعتبر حمدي أن "هذه الأسباب دفعت التونسي نفسياً إلى تقبل فكرة العودة إلى النظام الرئاسي التي يتحمل  فيها طرف واحد مسؤولية الحكم وتسيير الدولة والإمساك بزمام الأمور"، معتقداً أن "الشعب يرى أنه برجوع هذا النظام سيرجع معه تحسن القدرة الشرائية التي تدهورت بعد عام 2011، كما يعتقد أن هذا النظام الرئاسي سيفرض القانون ومحاسبة الفاسدين دون نزاعات سياسية ومحاصصات حزبية. كما يرى الشعب أن هذا النظام سيرجع للدولة هيبتها التي تزعزعت في السنوات الأخيرة".
وأفاد حمدي أن "التقارير الرسمية والأحكام القضائية أظهرت أن قياديين كثراً في أحزاب سياسية متورطون في جرائم فساد مالي، ما جعل التونسي يفقد الثقة في هذه الأحزاب التي تظاهر أغلبها، بخاصة خلال حملاتها الانتخابية، بأنها ستحارب الفساد، إلا أنها تحالفت معه على غرار تحالف حركة النهضة مع حزب قلب تونس الذي يُتهم رئيسه بجرائم فساد مالي". وبالتالي عبّر حمدي عن اعتقاده بأن "التونسي أصبح يعتقد أن حكم الفرد الواحد هو القادر على حلحلة الأوضاع ومحاربة الفاسدين من دون الدخول في الصراعات والتجاذبات ومنطق الابتزاز".
كما يرى حمدي أنه "بعد مرور أكثر من 10 سنوات اتضح ومن دون أدنى شك وجود إشكال كبير في النظام السياسي الحالي، وأكبر دليل على ذلك، الصراع بين رأسي السلطة التنفيذية الذي حصل بين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة آنذاك يوسف الشاهد، وتكرر بين هشام المشيشي المقال حديثاً والرئيس قيس سعيد، وبالتالي فإن الواضح أن الإشكال ليس في الأسماء بل في النظام"، موضحاً "ثم أن هذا النظام يتغير من نظام شبه برلماني إلى نظام شبه رئاسي بحسب تقرّب رئيس الحكومة من البرلمان أو رئيس الجمهورية"، مفسراً "مثلاً في فترة حكومة الحبيب الصيد كان البرلمان شبه رئاسي نظراً لتقرب الصيد من رئيس الجمهورية الراحل قائد السبسي آنذاك، وفي أحيان أخرى يصبح النظام شبه برلماني ومثال على ذلك تقرب رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد أو المُقال هشام المشيشي من البرلمان". واستنتج الصحافي التونسي أنه "بالتالي تسبب تقلب النظام من شبه برلماني إلى شبه رئاسي، بعدم الاستقرار الحكومي الذي أدى بدوره إلى الفشل الذريع وتفاقم مشاكل البلاد الاقتصادية والمالية وحتى الصحية، أخيراً".
هدم وبناء
في السياق، رأى الباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي، أن "التونسي يحن إلى حكم الفرد الواحد"، مبرراً هذا الحنين إلى الماضي قائلاً "عشنا في تونس منذ عام 1956 وحتى عام 2011 في ظل نظام سياسي تداخل فيه دور الحزب مع دور الدولة، وهو الحزب الحاكم منذ عهد بورقيبة إلى نظام زين عابدين بن علي"، ويواصل "ثم دخلنا إلى منظومة سياسية جديدة استحوذ فيها البرلمان على الحكم". وأضاف الجويلي "كنا في منظومة حكم الحزب فيها مستحوذ على كل شيء بمساعدة أذرعه الثلاثة الإدارة، والأمن، والحزب، وانتقلنا إلى منظومة سياسية أخرى البرلمان فيها هو الفاعل الرئيس، وحده في المشهد السياسي، يتحكم في تكوين  الحكومات ويسحب منها الثقة متى تغيرت موازين القوى. ويتحكم البرلمان أيضاً في تشكيل التحالفات الحزبية، ورسم السياسات العامة للبلاد".
وبالتالي، بحسب تحليل الجويلي "أصبحنا نعيش تحت وطأة نظام البرلمان أو ديكتاتورية البرلمان، ومن هنا حصل المنعرج الخطير وبدأنا نشاهد عبث السياسيين، ما أسهم في صعوبة الانتقال الديمقراطي وفشل هذا النظام في تحقيق أهداف الثورة التي طالب بها الشعب، وأبرزها الحرية والكرامة".
وتابع الجويلي أن "الشعب الذي خرج يوم 25 يوليو كان خروجه سياسياً، أي أن الشعب أراد أن يقول لا لهذا العبث الذي نعيشه. إذن ما حصل هو تعبير عن أننا وصلنا إلى النهاية، ولا بد من شيء جلل يغير الأوضاع ويقلب الطاولة على العابثين".
واعتبر الجويلي أن خلاصة موقف الشارع هي "عدم الاكتراث بنتائج قرارات 25 يوليو، وإنما المهم بالنسبة للمواطن هو إنهاء مرحلة سيئة في حياة تونس وإغلاق صفحة وفتح أخرى. فالشعب التونسي بخروجه ورفضه منظومة ما بعد 2011، أراد أن يهدم شيئاً ما من أجل بناء آخر جديد". وزاد أن "هذا السلوك الذي اعتمده الشعب التونسي هو عادة سلوك كل الشعوب التي مرت بمثل ما حصل في تونس، وهو ما يفسر فرح الشارع بعد قرارات الرئيس وأيضاً الإقبال الجيد على حملات التلقيح".