الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021

قصة ما جرى في تونس... كواليس الصراع



النهار الاخباريه  تونس

بدأ الصراع على السلطة في تونس في انتخابات 2019، التي رفض فيها الناخبون المؤسسة واختاروا قيس سعيد رئيساً بنسبة عالية. وسعيد أستاذ قانون دستوري مستقل، عُرف بمناهضته الفساد.
وأنتجت الانتخابات أيضاً برلماناً منقسماً لم يحصل فيه أحد على أغلبية واضحة.
ومع اشتداد الخلاف في الآونة الأخيرة بين سعيد وهشام المشيشي، المدعوم من رئيس البرلمان ورئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي، أدرك سعيد أنه يجب أن يتحرك، حسبما قال مسؤول سياسي بارز لـ"رويترز".
وقال مصدر مقرب من القصر الرئاسي "سعيد كان متأكداً من أن الجيش سيقف إلى جانبه... وبدا أن لديه قدرة على تسيير وزارة الداخلية".
وعلى الرغم من أنه من المتوقع على نطاق واسع أن يدفع سعيد الآن إلى تغيير الدستور لتكريس نظام رئاسي وإنهاء سنوات من الصراع بين مؤسسات الدولة المتنافسة والمشتتة، فإنه لم يبد أي إشارة علنية بشأن خططه وما ينوي فعله.
هنا، محاولة لجمع قصة ما جرى مساء الأحد 25 يوليو (تموز).
اتصال
عند السابعة مساء، تلقى رئيس الوزراء التونسي المشيشي اتصالاً هاتفياً من القصر الرئاسي يدعوه إلى اجتماع أمني عاجل مع الرئيس. لم يتمكن المشيشي من الاتصال بقيادات أمنية كبرى لمعرفة ما يدور.
وعندما وصل إلى القصر الرئاسي في قرطاج، علم أن القيادات الأمنية كانت هناك في القصر. لم ينتظر طويلاً ليعرف الحقيقة... فقد أعلمه الرئيس سعيد بقرار عزله وتفعيل إجراءات استثنائية تتضمن تجميد البرلمان والاستحواذ على السلطة التنفيذية.
ومع التأييد الشعبي الواسع، تركت تحركات سعيد، التي وصفها خصومه الإسلاميون بأنها انقلاب، أسئلة لدى بعض التونسيين ودول أجنبية عن مستقبل البلد الذي ألهمت ثورته عام 2011 دول الربيع العربي، ثم اتبعت مساراً ديمقراطياً غير مسبوق في المنطقة العربية، على الرغم من بعض الهنّات.
يقول صفوان المصري من جامعة كولومبيا ومؤلف كتاب عن تونس "هذه هي المرة الأولى منذ فترة طويلة التي لا أرى فيها الأمور تسير في اتجاه إيجابي".
"غدر"
مع انتخابات 2019 التي تلت سنوات من الركود الاقتصادي، لم يحظ اللاعبون المعروفون مثل حركة "النهضة" بشعبية.
وحتى الحكومة، التي كانت تمثل أملاً لعديد من التونسيين، انهارت في وقت وجيز لم يتجاوز ستة أشهر بسبب ائتلاف حكومي هش لم ينجح في التعايش. ما دفع رئيس الوزراء الياس الفخفاخ إلى الاستقالة بدعوى شبهات فساد.
وأعادت هذه الخطوة الكرة إلى ملعب الرئيس الذي اختار المشيشي المقرب منه رئيس حكومة جديداً.
لقد كان سعيد واضحاً، ودعا المشيشي إلى أن يشكل حكومة من دون حزب "قلب تونس" الذي يواجه زعيمه نبيل القروي شبهات فساد وتبييض أموال كان ينفيها باستمرار.
اختار المشيشي أن يفعل العكس، فقد كان حزب "قلب تونس" أول الأحزاب التي يلتقيها المشيشي، واقترح عليه دعم حكومته ضمن ائتلاف يضم "النهضة" وحزب "الكرامة".
وبسرعة تحول اختيار المشيشي في يوم واحد إلى مصدر خلاف.
يقول مسؤولون حزبيون لـ"رويترز"، إن الرئاسة طلبت منهم عدم التصويت للمشيشي بدعوى أنه "خان العهد" مع سعيد.
وقال أحد المصادر، وهو سياسي بارز "أخبرنا الرئيس أنه يكره الخيانة والغدر. والخيانة جاءت من أقرب الناس إليه... المشيشي".
نالت حكومة المشيشي ثقة البرلمان في الثاني من سبتمبر (أيلول) 2020.
الصراع يخرج إلى العلن
مضت أشهر كان فيها الخلاف بين الرجلين صامتاً. وكان سعيد يحيط نفسه بأحزاب قريبة منه مثل "التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب"، بينما كان المشيشي يفكر في توسيع ائتلافه السياسي وتعيين أشخاص مقربين من "النهضة" و"قلب تونس" في التعديل الحكومي.
وفي يناير (كانون الثاني)، تلقى المشيشي وائتلافه الضربة الأولى من سعيد، حين رفض ختم التعديل الوزاري الذي أقره البرلمان.
خرج الصراع بين الرجلين إلى العلن، واختار المشيشي التصعيد، فأقال وزير الداخلية توفيق شرف الدين المحسوب على سعيد، وجعل نفسه وزيراً للداخلية بالنيابة.
خطوة استفزت سعيد الذي خاطب المشيشي في لقاء بثته الرئاسة بلهجة قوية "لم يفعلها أحد في تاريخ تونس... حتى (الحبيب) بورقيبة لم يكن رئيساً ووزيراً للداخلية في الآن نفسه".
المصالحة بين الرجلين أصبحت مستحيلة، ولم يلتق رأسا السلطة التنفيذية لحوالى شهرين، بينما كانت الأوضاع الاجتماعية تزداد سوءاً، وكان الاحتقان على أشده بسبب الصعوبات الاقتصادية.
وبات الجهاز الأمني في قلب الصراع بين الرجلين.
وفي 18 أبريل (نيسان)، قال سعيد إنه هو القائد الأعلى للقوات العسكرية والأمنية المسلحة في تصعيد للصراع. رد المشيشي لم يتأخر كثيراً، إذ عين على رأس جهاز المخابرات (المصالح المختصة) لزهر لونقو، وهو شخص ينظر إليه سعيد وأحزاب قريبة منه بريبة كبيرة، ويرون أنه مقرب من حركة "النهضة".
ويقول قيادي في حزب مقرب من سعيد، إن الرئيس أحس بأنهم لا ينوون سوى خدمة مصالحهم.
ويضيف، "لقد أدرك الرئيس أن الأمر أصبح مستحيلاً وفهمنا أنه يريد إقالة أو استقالة المشيشي".
وأخبر سعيد نقابيين وأحزاباً سياسية بأن طلبه هو استقالة المشيشي الذي كان يرفض ذلك في كل مناسبة قائلاً للإعلام "أنا جندي لا أهرب".
الاحتجاجات... قطرة أفاضت الكأس
في الأثناء، كانت جائحة كورونا تنتشر بسرعة ومعدلات الوفيات أصبحت قياسية وامتلأت أقسام الإنعاش في مستشفيات البلاد التي تكافح لسد النقص في كميات الأكسجين وسط إجراءات ضعيفة من السلطات. وضع فاقم الاحتقان الشعبي.
وأصيب الغنوشي (80 سنة) بكورونا.
ودفع إخفاق حملة التطعيم الحكومية، ثم الفوضى في مراكز التطعيم بسبب قلة اللقاحات، سعيد إلى تكليف الجيش الإشراف على ملف "كوفيد-19" في خطوة اعتبرها البعض إشارة أولى إلى استعداده للاستحواذ على السلطة التنفيذية وسط عجز الحكومة عن إدارة المعركة.
وفي 25 يوليو، الذكرى السنوية لإعلان الجمهورية، عاد الغنوشي إلى عمله بعد حوالى أسبوعين من الراحة بسبب المرض، وكان يوماً مليئاً باحتجاجات استهدفت الحكومة وحركة "النهضة" بالدرجة الأولى.
فقد اقتحم محتجون عدة مقرات لـ "النهضة" وأحرقوا أخرى وأتلفوا محتوياتها. وكانت الشعارات تطالب بإسقاط الحكومة وحل البرلمان.
احتجاجات استشهد بها سعيد لاحقاً لتفعيل إجراءات استثنائية تضمنت رفع الحصانة عن النواب وتجميد البرلمان وعزل رئيس الحكومة قائلاً، إن الوضع تعفن بشكل غير مقبول. وقال إنه سيفعّل الفصل الثمانين من الدستور، انتصاراً للشعب ضد نخب فاسدة.
اعتبر خصومه التحرك غير ديمقراطي، وسارع الغنوشي في تصريح  إلى وصفه بالانقلاب على الثورة والدستور والديمقراطية.

وقال مصدر مقرب من زعيم "النهضة"، إن سعيد اتصل بالغنوشي حوالى الساعة الخامسة مساء ليعلمه أنه قرر تجديد حالة الطوارئ المستمرة منذ سنوات، وأنه لم يعلمه بتفعيل الفصل الـ80.
ولكن سعيد كرر أنه أخبر الغنوشي بكل وضوح بتفعيل الفصل الـ80، الذي يستوجب التشاور مع رئيس الحكومة ورئيس البرلمان لتفعيل الإجراءات الاستثنائية.
أما المشيشي، فقد كان يتابع تطور الاحتجاجات العنيفة في مكتبه في قصر الحكومة بالقصبة إلى وقت متأخر من النهار، حتى تلقى اتصالاً هاتفياً من مكتب الرئيس.
يقول أحد مساعديه "لقد خرج على عجل، لا يدري ما هو الأمر".
لم ينتظر المشيشي طويلاً حين وصل إلى قرطاج ليُصعق بقرار الرئيس عزله حين التقاه في مكتبه.
لم يكن للمشيشي خيارات كثيرة. قبِل بالأمر الواقع على الرغم من عدم اقتناعه، حسبما قال مصدران.
وذكرت مصادر أنه لم يُسمح للمشيشي بحضور اجتماع الرئيس بقيادات أمنية وعسكرية، أعلن خلالها توليه السلطة التنفيذية وتجميد البرلمان.
ما بعد المفاجأة
ربما لم يكن يتوقع المشيشي هذه المفاجأة، وهو الذي كان يعتقد أنه مسيطر على الداخلية التي يترأسها، خصوصاً بعد تعيين لونقو مديراً للاستخبارات.
فاجأ هذا الإعلان الغنوشي فحاول حشد أعضاء البرلمان وأنصار حزبه للذهاب إلى البرلمان في تحد لقرار سعيد. لكنه اصطدم هناك بالجيش الذي منعه من الدخول.
وتقول مصادر من "النهضة" إن الغنوشي حاول الاتصال بالمشيشي مرات عدة عقب إعلان سعيد، لكنه لم يتمكن من الوصول إليه حتى الساعة 11 مساءً.
وتضيف المصادر، أن الغنوشي طلب من المشيشي توضيح موقفه وسأله إن كان يعتبر نفسه ما زال رئيساً للحكومة، ولكنه لم يتلق إجابة حاسمة.
لكن، في ذلك الوقت كانت الأمور قد حسمت وتدفق آلاف التونسيين الذين نفد صبرهم إلى شوارع العاصمة وعديد من المدن مبتهجين بقرار الرئيس، واصفين إياه بأنه نهاية عقد من التعفن وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتفشي الفساد.
ووجه سعيد تحذيراً شديداً لكل من يحاول اللجوء إلى العنف أو استعمال السلاح. وعلى الفور انتشرت وحدات من الجيش في مقر البرلمان ومقر التلفزيون الرسمي. لكن، لم تشهد الشوارع أي اشتباكات وظلت الأوضاع هادئة بعد أسبوعين من إعلان سعيد.
لم يعد في الأمر شك... لقد تفوق سعيد الوافد على السياسة حديثاً على خصومه المخضرمين في المنظومة السياسية.