الأربعاء 26 كانون الثاني 2022

ربع مليون أسرة تعيش بالدعم الاجتماعي.. ظاهرة الفقر في الأردن تتعمق بعد جائحة كورونا

النهار الاخباريه. وكالات 

تتعمق ظاهرة الفقر في الأردن وتتعدد أشكالها، خاصة بعد جائحة كورونا التي أدت إلى التراجع والركود الاقتصادي نتيجة الإغلاقات التي حصلت خلال فترة الجائحة، فهي أحد الأسباب الرئيسية التي أثرت على شرائح مختلفة، الأمر الذي أدى إلى ضعف قدرة السوق على خلق مزيد من الوظائف الجديدة، وفقدان كثير من الأردنيين وظائفهم، وإغلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة الريادية وإفلاسها.

ويؤكدّ كثير من المراقبين والمحللين المتابعين أنّه لا مجال الآن للحديث عن الأردن القديم المبني على القيم الاجتماعية، والتمسك بالعادات والتقاليد، كما أنّ طبيعة تركيبة المستويات في المجتمع الأردني بين فقير وغني وطبقة متوسطة بينهما، قد اختلت توازناتها ولم تعد كسابق عهدها.

ويتعرض نحو مليون مواطن أردني للانزلاق نحو خط الفقر، إذ كشفت إحصائية حديثة عن وجود 825 ألف أردني يعيشون تحت خط الفقر منذ العام 2017، ما قد يزيد عدد الفقراء في الأردن الذين يعيشون بأقل من 100 دينار شهرياً.

وهو ما يعني أن نسبة الأردنيين المعرضين للفقر قد بلغت 12.5% علماً بأن هذه الفئة غير معلنة من قِبل دائرة الإحصاءات العامة، وهي تدمجها مع فئة أخرى من الفقراء المصنفين على أنّهم ضمن فئة "الفقراء الأعلى إنفاقاً".

وقد كشفت إحصائية رسمية أخرى أنّ أكثر من 15.7% من السكان في الأردن يعيشون تحت خط الفقر، وأنّ ثلث السكان في البلاد يعتبرون فقراء.

وقد أرجع المجلس الأعلى للسكان (حكومي)، في بيان صحفي سابق، تزامناً مع مناسبة يوم الشباب العالمي، ارتفاع نسبة الفقر إلى صعود البطالة لـ25% خلال الربع الأول من 2021، حيث بلغت نسبة البطالة بين الذكور خلال الربع الأول من 2021 نحو 24.2%، مقابل 28.5% للإناث، وذلك بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة.

اللجوء إلى البرامج الاجتماعية 
يلجأ كثير من المواطنين الأردنيين إلى برامج المعونات الاجتماعية التي يقدمها صندوق المعونة الاجتماعية، ومنها برنامج الدعم النقدي الطارئ (عمال المياومة) الذي يخفف من حدة الفقر لدى الأردنيين، والذي استفاد منه حتى اللحظة أكثر من 240 ألف أسرة أردنية، ويتم تقديرها وفق أعداد الأسرة.

أحمد الحمايدة مواطن أردني (23 عاماً)، من مدينة الكرك جنوب الأردن، حالفه الحظ واستطاع إيجاد عمل مؤقت في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يشهدها الأردن، ضمن برنامج "عمال المياومة"، وحصل على أحد العطاءات التي تقدمها وزارة الزراعة للعاطلين عن العمل، إذ وقع الاختيار على الحمايدة ضمن البرنامج في عطاء لمدة شهرين فقط، مشيراً إلى أنّ الدخل الذي يتقاضاه 251 ديناراً شهرياً، وهو معرَّض للحسم والخصم في حالة تخلُّفه (بمعدل 8 دنانير وربع يومياً).

ويؤكد الحمايدة أنّ كثيراً من أهالي منطقته ودائرة معارفه باتوا عاطلين عن العمل، بسبب الأوضاع المتردية التي يعيشونها خاصة بعد جائحة كورونا، وقليل منهم من حالفه الحظ في الحصول على عطاء الزراعة الذي يدخل ضمن إطار برنامج "عمال المياومة"؛ لكون المناطق التي يقطنون بها مصنفة  على أنّها الأقل حظاً في الأردن.

ويشمل العطاءات التي تقدمها وزارة الزراعة جميع مناطق الأردن، ومنها محافظة الكرك، حيث يشير الحمايدة إلى أنّ العمل الذي يقومون به عبارة عن أعمال في غابات صغيرة تحتوي على أشجار حرجية يعمل على تنظيفها وإزالة الأشواك والأعشاب التي تضرّ بالأشجار.

كثير من العائلات الأردنية باتت تعتمد على برنامج دعم عمال المياومة والعاملين بشكل غير منتظم المسمى بـ"تكافل"، والذي يقدمه صندوق المعونة الوطنية، الذي تستفيد منه 235 ألف أسرة.

"عمال المياومة" برنامج خاص بالعاطلين عن العمل؛ لمساعدتهم على أعباء الحياة ويوفر دخلاً مؤقتاً يعتمد على مدى إنجازه اليومي، كأعمال الخردة والزراعة.

أكرم عبيدات، مواطن أردني من مدينة إربد، يتلقى معونة شهرية من صندوق المعونة الوطنية قدرها 200 دينار فقط، في سياق حديثه عن تجربته مع برنامج "المعونة الشهرية"، يؤكد قائلاً: "يتبقى من تلك المعونة 64 ديناراً، والباقي عبارة عن قروض وإيجار بيت".

ويضيف عبيدات قائلاً: "أعرف عائلات وأرباب أسر ليس لديهم دخل غير هذا البرنامج، حيث يصل عدد الأسرة الواحدة المستفيدة منه إلى خمسة أفراد، لكنّه لا يكفي حتى لسدّ ثلث احتياجات ومصاريف الحياة المرتفعة في الأردن".

ويبلغ عدد المنتفعين من برنامج المعونة المالية الشهرية نحو 105 آلاف أسرة، وهي عبارة عن مبالغ شهرية تصرف للأسر المحتاجة التي تمر بظروف اقتصادية، وتتراوح قيمة تلك المساعدات بين (50-200) دينار، وتحدد قيمتها وفقاً لنتائج قياس مؤشرات الفقر والحاجة لدى الأسرة المستفيدة، إضافة إلى فئة وعدد أفراد الأسرة.

عبد الرحمن قدورة (24 عاماً)، نموذج آخر لشاب مكافح يعيل ويساعد أسرته على مواجهة صعوبات الحياة في الأردن وعلى وجه الخصوص بعد جائحة كورونا، فقد اضطر إلى تغيير مهنته الأساسية في مجال التمديدات الكهربائية المنزلية التي كان يعمل بها مع خاله منذ سبع سنوات، حيث تمكن قدورة من إتقان المهنة بشكل كبير، وهذا ما جعله في بعض الأحيان يستقل عن خاله في العمل ويعمل بمفرده.

لكن جائحة كورونا غيرت كل شيء وأجبرته على البحث عن مورد رزق أفضل؛ بعد عزوف الأردنيين عن إكمال تشطيبات منازلهم بسبب قلة السيولة، ولجوء الأفضل حالاً إلى اختصار كثير من النفقات على تشطيبات المنازل والاقتصار على الإحتياجات المهمة في عملية إكمال الإعمار.

قدورة اضطر في خضم هذه الحالة إلى ترك عمله، والبحث عن عمل آخر، فوجد ضالته في توزيع الصحف وتوصيل الطلبات "الدليفري"، حيث لا يتجاوز دخله 350 ديناراً بعد عمل متواصل يصل إلى 8 ساعات، والأصعب من ذلك بحسب قدورة، أنّه يضطر إلى الخروج إلى عمله بعد منتصف الليل لتوزيع الصحف على المنازل، ويطلب منه إنجاز توزيع جميع الصحف التي بحوزته  قبل الفجر على المنافذ المحددة من الأفراد والقطاعين الخاص والعام.

الفقر في الأردن
لكن العديد من المراقبين للشأن الأردني يرون أن مشكلة الفقر في الأردن مشكلة عميقة وذات أبعاد مختلفة، ولا تقتصر فقط على جائحة كوفيد-19، التي لم تكن السبب الرئيسي والوحيد لارتفاع عدد الفقراء الأردنيين، ويرى هؤلاء أنّه وبالعودة إلى شعارات وعناوين الحكومات الأردنية المتعاقبة عبر التصريحات والخطابات الرسمية منذ عام 2012، يتكشف أن كل حكومة تأتي بعنوان برّاق ذهب مع رحيلها.

وهذا ما تذهب إليه الرئيسة التنفيذية لمركز الشفافية الأردني هيلدا عجيلات، في حديثها الخاص لـ"عربي بوست"، مشيرةً إلى أنّ حكومة عبد الله النسور جاءت بعنوان "رؤية الأردن 2025" ورحلت في عام 2016 دون تطبيق لما حملته من شعارات، ولحقتها حكومة هاني الملقي التي جاءت بعنوان جديد "خطة تحفيز النمو الاقتصادي (2018-2022)"، لكنّ حكومته رحلت في 2018 بعد احتجاجات الدوار الرابع.

وتضيف عجيلات في سياق حديثها عن مشكلة الفقر بالأردن: "أما في منتصف عام 2018 فجاءت حكومة عمر الرزاز بعنوان آخر (حكومة النهضة) التي لا نعرف أين أراضيها، ونستنتج مما سبق أنّ الحكومات المتعاقبة افتقرت إلى هوية ورؤية اقتصادية يتم التوافق عليها بحيث تتضمن قرارات وسياسات واستراتيجيات وفق نسق واحد تكون قابلة للمراجعة والتطوير والتقييم، والأهم أن تكون عابرة للحكومات"، مشيرةً إلى أنّ كل حكومة تأتي ببرنامج إصلاحي اقتصادي بعنوان براق تنسفه الحكومة اللاحقة، وهذا حتماً أدى الى مزيد من التراجع الاقتصادي الذي انعكس على حياة الأردنيين.

وتشدد عجيلات على أن المسؤولية الكبيرة عن هذا تقع على عاتق الحكومات؛ لعدم إعطاء الملف الاقتصادي أولوية، وفشلها في تكليف فريق اقتصادي متمكن وإشراك اقتصاديين وأكاديميين وخبراء للنهوض بهذا القطاع، إضافة إلى إغلاق الأبواب أمام الأفكار الإبداعية والبرامج والسياسات التي قد تساهم في معالجة الخلل الذي اتسع مع سياسات الحكومات المنغلقة.

وللخروج من هذا المأزق، ترى عجيلات ضرورة العمل على جذب الاستثمارات سواء تلك الداخلية أو الخارجية، ودراسة المعوقات والتحديات الحالية وكيفية التعامل معها من أجل تطوير بيئة استثمارية جاذبة وتعزيز فرص استقطاب المشاريع والمستثمرين، مؤكدةً أنّه يجب البدء بتسهيل وتقليص وإعادة هندسة إجراءات الحصول على التراخيص التي تعدّ معضلة كان يجب تجاوزها منذ زمن بعيد.

ومن ناحية أخرى، يجب على الحكومة الأردنية، بحسب رؤية عجيلات، مراجعة الإطار القانوني للاستثمار ليشمل كافة مكوناته وبشكل دوري، كذلك تجب دراسة نماذج جذب الاستثمار الناجحة لبعض الدول المجاورة؛ للاستفادة منها من ناحية، ورفع درجة التنافسية مع هذه الدول من جهة أخرى.