الإثنين 25 تشرين الأول 2021

خبيران تونسيان: لا مجال للتقارب بين سعيّد والرافضين لقراراته

منذ إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد، مساء الأحد، قراراته المفاجئة المتعلقة بالبرلمان والحكومة، انقسم التونسيون بين مساند ومعارض وداعٍ إلى تقريب وجهات النظر لحلحلة الأزمة والحفاظ على مكتسبات ثورة 2011.

وإثر اجتماع طارئ مع قيادات عسكرية وأمنية، أعلن سعيّد تجميد اختصاصات البرلمان، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من مهامه، على أن يتولى هو بنفسه السلطة التنفيذية بمعاونة 

حكومة يعين رئيسها.

واختلف خبيران تونسيان، في حديث مع الأناضول، في تقييمهما لقرارات سعيّد، إذ اعتبرها أحدهما "انقلابا على الدستور"، ورآها الآخر "تصحيحا للمسار السياسي نتيجة التعطيل الذي تشهده مؤسسات الدولة".

لكنهما اجتمعا على استبعاد إمكانية إيجاد حلول توافقية للأزمة، وأنه لا مجال لتقريب وجهات النظر بين سعيّد، الذي يبدو ماضيا في قراراته، وبين الأطراف المعارضة لها.

ورفضت غالبية الأحزاب قرارات رئيس البلاد، واعتبرها البعض "انقلابا على الدستور"، فيما أعربت أحزاب أخرى عن تأييدها لما أقدم. 
عليه سعيّد، الذي بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 فترة رئاسية من 5 سنوات.

وجاءت هذه القرارات إثر احتجاجات في محافظات عديدة الأحد، طالبت بإسقاط المنظومة الحاكمة بكاملها واتهمت المعارضة بالفشل، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية.

** خروج عن الشرعية

الباحث في الجامعة التونسية، سامي براهم، قال إن "فريق الرئيس الذي نصحه بالذهاب في هذا الخيار غاب عنه أن كل الإجراءات التي وقع اتخاذها فيها خرق صريح للدستور، فلا يمكن لأي متخصص في القانون أن يقر بصحة هذه الإجراءات".

وأضاف براهم   أنه "سعيّد.     وضع نفسه خارج دائرة الشرعية برمتها، لذلك لا يمكن أن يكون لهذه الإجراءات أي شرعية قانونية أو دستورية".

ورأى أن "حل هذه الأزمة متوقف اليوم على مؤسسات الدولة والطبقة السياسية والمنظمات الاجتماعية الوطنية ومدى قبولها بهذه الإجراءات".

وأعرب عن اعتقاده بأن "سعيّد ماضٍ في إجراءات الانقلاب، والقرارات العبثية والجنونية التي اتخذها".

وتابع: "الرئيس يمكن أن يغتر بالاستبشار من قبل فئات من المواطنين الممتعضين من أداء الطبقة السياسية والبرلمان". 

وحول الحلول الممكنة للخروج من الأزمة، قال براهم إن "الحوار بين الأطراف السياسية كان معطّلا في السابق، إذ كان رئيس الدولة يرفض أن يكون الحوار تحت سقف مخرجات الدستور".

وأردف: "الرئيس منذ توليه الحكم كان يعبّر مرارا وتكرارا عن رفضه لكل المنظومة السياسية، بما فيها البرلمان ونظام الاقتراع (الانتخاب)، بل يرفض حتى دستور 2014، الذي يعلن اليوم أن قراراته مطابقة له، ودعا صراحة سابقا إلى اعتماد دستور 1959".

واستطرد: "ليس هناك شروط مشتركة للحوار، المسألة اليوم 

متوقفة على موازين قوى، مَن مع الانقلاب ومَن مع الديمقراطية في البلد.. ليس هناك جبهة واضحة معارضة للانقلاب".

وبشأن إن كانت المنظمات الاجتماعية قادرة على لعب وساطة لتقريب وجهات النظر، أجاب براهم بأن "اتحاد الشغل (أكبر منظمة عمالية) فشل سابقا في مساعيه لتنظيم حوار بسبب رفض سعيّد لإجراء الحوار تحت سقف الدستور الحالي".

ومنذ منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، استمر خلاف بين سعيّد والمشيشي؛ بسبب تعديل وزاري أجراه الأول ورفضه سعيّد.
واعتبر براهم أن "عسكرة البلاد قائمة على قدم وساق، والرئيس (سعيّد) هيّأ لذلك عبر إجراءات عديدة، منها ترقيات وأوسمة في صفوف المؤسسات العسكرية والأمنية وكان يعدّ لهذا اليوم، والمسألة كانت نتاج ترتيبات دامت أشهرا حتى وصلنا إلى هذا الوضع اليوم".

** قرارات جريئة وشجاعة

الخبير العسكري مختار بن نصر، اعتبر أن "الكل متفق على أن الوضع الحالي في البلاد متأزم، فمؤسسات الدولة ورئاسة. 

الحكومة معطلة والبرلمان معطل، وطُلب أكثر من مرة من رئيس الجمهورية أن يتحرك ويقوم بتفعيل صلاحياته وحلحلة هذا الوضع".

وتابع "بن نصر" للأناضول: "رئيس الجمهورية اتخذ هذه الخطوة بالاعتماد على الفصل (المادة) 80 من الدستور، وهي إجراءات استثنائية تُتخذ في ظروف استثنائية، وهذه الإجراءات ستتبعها إجراءات متعددة على المستويين السياسي  والاجتماعي".

وأضاف: "رئيس الجمهورية لديه كل المعطيات الأمنية والعسكرية ولديه المعلومات والاستعلامات، لذلك ارتأى اتخاذ مثل هذه الإجراءات".
ووصف "بن نصر" قرارات سعيّد بـ"الجريئة والشجاعة"، مؤكدا "ضرورة تطوير هذه الرؤية".

ودعا "الأطراف الرافضة لقرارات سعيّد، أحزابا ومواطنين، إلى احترام تلك القرارات وضبط النفس والابتعاد عن الاحتقان والعنف، واحترام إنفاذ القانون واحترام قوات الأمن والجيش المُطالبة بالحفاظ على ضبط الأمن وحماية الأملاك العامة والخاصة".

واستدرك: "آمل أن يبقى رئيس الجمهورية في إطار القرارات التي أعلنها في مسار التجربة الديمقراطية والحفاظ على الحريات واحترام الدستور، وتقديم برنامج عمل من شأنه أن يخرج البلاد من هذه الأزمة المستفحلة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والصحي".

ورأى أنه "لم يعد هناك مجال لتقريب وجهات النظر بين سعيّد والأحزاب السياسية التي عبرت عن رفضها لقراراته، لأنهما يقفان على طرفي نقيض".

وأردف: "لابد من ضبط النفس، وعلى الجهات الرافضة أن تعي أن هناك سلطة شرعية اتخذت هذه القرارات، وهذه السلطة لها من القوة ما يمكنها من أن تحمي الممتلكات العامة والخاصة وتحمي الشعب".
واستطرد: "ما صرح به الرئيس بأن من يطلق الرصاص سيقابل بوابل من الرصاص كان واضحا منه أن سلطة الرئاسة لها القوة الكافية لحماية هذه الخيارات وهذا المسار".

وحذّر "بن نصر"، وهو عميد متقاعد من الجيش، كل الأطراف من "أي انزلاق إلى مربع العنف، لأنه سيقابل بعنف مقابل".

وتابع: "على جميع السياسيين الرافضين للقرارات أن يقتنعوا أن المسار السياسي في تونس لا يمكن أن يتقدم بما هو عليه من.  
القرارات، لذلك لابد من الانصياع إليها".

وتوقع "بن نصر" أن يكون "للاتحاد العام التونسي للشغل دور في تأطير هذا المسار"، لافتا إلى أن "الاتحاد طالما دعا الأطراف السياسية إلى الحوار، لكن كل الأبواب كانت موصدة".

ورأى أن "الاتحاد قادر على لعب دور التهدئة وضمان الاستقرار الاجتماعي في البلاد".

وتعليقا على دور المؤسسة العسكرية في الأزمة، قال إن "مهام الجيش الوطني مضبوطة 
وتعليقا على دور المؤسسة العسكرية في الأزمة، قال إن "مهام الجيش الوطني مضبوطة بالدستور، وهي حماية الوطن من أي عدوان داخلي أو خارجي ومعاضدة مجهود الدولة في حفظ النظام أو في المسائل التنموية والصحية وغيرها".

واعتبر أن "من يتحدثون اليوم عن عسكرة الدولة هم لديهم حساسية مفرطة من الجيش".

واختتم حديثه بأن "الجيش منذ الثورة (يناير/ كانون الثاني 2011) إلى اليوم ساعد هذه التجربة على الاستمرار وكان ضامنا لمسار الثورة، وقام بحماية الانتخابات، وحتى اليوم يقدم المساعدة في. مجابهة الأزمة الصحية (كورونا)".

ويُنظر إلى تونس على أنها الدولة العربية الوحيدة التي نجحت في إجراء عملية انتقال ديمقراطي من بين دول عربية أخرى شهدت أيضًا ثورات شعبية أطاحت بالأنظمة الحاكمة فيها، ومنها مصر وليبيا واليمن.