السبت 16 تشرين الأول 2021

حرب الطبقة السياسية في تونس تدخل فصل الاتهامات والتسريبات


تشهد الساحة السياسية في تونس في الآونة الأخيرة موجة اتهامات تُطلق عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال تسريب تسجيلات صوتية لشخصيات وازنة في البلاد، بهدف الإطاحة بها أو النيل من أحزابها، وصلت إلى حدّ اتهام الرئيس قيس سعيد بالاستقواء بجهة أجنبية في انتخابات عام 2019 مكّنته من الحصول على أموال طائلة ليصل إلى كرسي الحكم. وتسببت هذه الاتهامات الأخيرة بإصدار بطاقة جلب من قاضي التحقيق في المحكمة العسكرية ضد النائب راشد الخياري الذي سرّبها.

وأذن القضاء العسكري التونسي الثلاثاء 20 أبريل (نيسان) الحالي، بفتح تحقيق بشأن تصريحات وردت على لسان النائب راشد الخياري، المستقيل من كتلة "ائتلاف الكرامة" البرلمانية المقرّبة من حركة النهضة الإسلامية، وذلك عبر فيديو نشره على حسابه في موقع "فيسبوك" واتهم فيه الرئيس بتلقّي دعم وتمويل خارجي (جهات أميركية) لتعزيز حظوظ وصوله إلى قصر قرطاج في انتخابات 2019.
وأصدرت السفارة الأميركية في تونس توضيحاً في هذا الصدد، جاء فيه أن الولايات المتحدة لم تقدّم أي تمويل لدعم حملة قيس سعيد الانتخابية، مؤكدةً على "احترام النزاهة الديمقراطية التونسية واستقلاليتها".
في سياق متصل، وإضافة إلى فيديو اتهام الرئيس، عُرف النائب الخياري بنشر تسريبات صوتية لشخصيات سياسية وإعلامية أثارت جدلاً واسعاً مما دفع الكثيرين في تونس إلى التساؤل عمَن يسانده، في وقت تشهد البلاد صراعاً على الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان).

حالة انفلات
وكتب الخياري على صفحته الخاصة في "فيسبوك" أن "النيابة العسكرية التي رئيسها المباشر (الرئيس) قيس سعيد تستدعي النائب راشد الخياري كمتهم، لا كشاهد، على الرغم من فتح النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية (محكمة مدنية) قضية في الشأن ذاته"، مضيفاً أن "ملاحقة نائب الشعب والعمل على سجنه بدلاً من الاستماع إليه كشاهد وأخذ ما لديه في ملف القضية، أمر يبعث على الريبة".
في السياق، قال رئيس كتلة "تحيا تونس" في البرلمان مصطفى بن أحمد إن "هذه الاتهامات والتسريبات هي ترجمة لحالة الانفلات العام في كل المجالات على مستوى الخطاب والممارسة السياسية والإعلامية في إطار ظاهرة البحث عن الإثارة وخلق روايات تمسّ بالأمن القومي وأجهزة الدولة ورموزها، في استمرار لحالة العبث المستفحلة نتيجة الإفلات من العقاب".

من جهته، اعتبر النائب عن "التيار الديمقراطي" رضا الزغمي أن "ما يُطلَق من اتهامات عبر وسائل عدة، يُعدّ مواصلة لحرب كسر العظام بين رئيس الجمهورية وكل من رئيسَي الحكومة والبرلمان".
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن ملفات أو تسريب مكالمات هاتفية لشخصيات سياسية أو توجيه اتهامات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ من بين أكثر التسريبات التي أثارت جدلاً في تونس، تلك المتعلقة بمدير الديوان الرئاسي، رئيس حزب "مشروع تونس" محسن مرزوق، في فترة حكم الراحل الباجي قائد السبسي، التي كشفت عن خلافات داخل حزب "نداء تونس" وكان لها دور في تفكيكه. وطال ملف التسريبات المدير التنفيذي لحزب "النداء" حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس السابق، وكذلك رئيس حزب "قلب تونس" مالك قناة "نسمة" نبيل القروي. كما لم يسلم رئيس البرلمان، زعيم "حركة النهضة" راشد الغنوشي من التسريبات، إذ سُرِّب كلام له يتحدث فيه عن الجيش التونسي وكيفية ضمانه.
سلاح جديد

في هذا السياق، قال الباحث السياسي صبري الزغيدي إن "الوضع السياسي المأزوم وغير المسبوق الذي تكثف في الصراع المعلن والمباشر بين الرئاسات الثلاث، أبرز أسلحة جديدة في الحرب حول الصلاحيات، ألا وهي الاتهامات الخطيرة من خلال التسريبات أو غيرها"، مضيفاً أن "التسريبات أضحت من الأسلحة المفضلة لدى حركة النهضة وائتلاف الكرامة، اللذين يحاولان بكل السبل تقزيم دور الرئيس والبحث عن كل الوسائل، بما فيها تلك غير الأخلاقية لربح معاركهما".

وأعرب الزغيدي عن اعتقاده بأن "ظاهرة التسريبات التي أضحت من العناصر في المشهد السياسي، تبيّن أن الرئيس بدأ يُقلِق فعلياً الائتلاف الحاكم بخاصة بعد زيارته إلى مصر". وأضاف أن "هذه الظاهرة ستكون لها تداعيات خطيرة على التجربة الديمقراطية في تونس، باعتبارها تطرح قضية حماية المعطيات الشخصية التي يكفلها الدستور التونسي وقوانين البلاد، وتطرح أسئلة من نوع: كيف وصل راشد الخياري إلى تسريبات هاتفية تخص شخصيات عامة قريبة من الرئيس، بخاصة أن الجهة التي تستطيع الحصول على اتصالات الناس لا يمكنها ذلك إلا بالمراقبة عبر أجهزة متطورة، وهذا الأمر ليس متاحاً إلا لأجهزة أمنية أو استخبارية. ولذلك من واجب النيابة العامة والقضاء أن يتحرّكا ويفتحا هذا الملف الغامض".

ويُذكَر أن الخياري سرّب منذ شهر مكالمة هاتفية بين رئيسة ديوان رئيس الجمهورية نادية عكاشة والإعلامية مي القصوري حول التدخل في تعيين رئيس الحكومة، ونفت القصوري آنذاك أن يكون الصوت صوتها.

رفع الحصانة

من جهة ثانية، قال الزغيدي إن "وسيلة التسريبات تكشف أيضاً عن الضعف والوهن اللذين بات يعانيهما الائتلاف الحاكم، الذي لم يعُد يملك في جعبته ما يقدّمه إلى الرأي العام والشعب التونسي، في ظل أزمة صحية واقتصادية واجتماعية وسياسية انعدمت فيها الحلول لديه، ليصبح دائم البحث عن حلول ووسائل أخرى لهزيمة الخصوم حتى إن كانت وسائل غير أخلاقية وغير قانونية، مخافة هبّةٍ شعبية جديدة قد تعصف به، بخاصة بعدما كبر الحزام المعارض، بسبب فشله في تسيير الدولة وفي تحسين الأوضاع المعيشية والصحية. ويتكوّن الحزام المعارض، إضافة إلى المعارضة التقليدية داخل البرلمان وخارجه، من الإعلاميين الذين يدافعون اليوم عن حرية الإعلام واستقلالية المرفق العمومي، ليُضاف إليهم حالياً بشكل مباشر رئيس الدولة الذي انتخبه أكثر من 3 ملايين مواطن.

أما بشأن اتهام "حركة النهضة" بالوقوف خلف الادعاءات ضد رئيس الجمهورية، فيقول القيادي في الحركة فتحي العيادي إنهم لم يتعودوا الحديث في أمرين، "هما الإشاعات والتسريبات". وأضاف أن "راشد الخياري كنائب من حقه التعبير عن رأيه وعلى النيابة العمومية التحقق من الأمر". وأشار إلى أن "الخياري كان ينشر مثل هذه التسريبات قبل أن يدخل إلى مجلس النواب. فهذا أسلوبه ونحن نعتقد أن السياسة لا تقوم بمثل هذه التصرفات". كما رأى العيادي أنه "لا يمكن أن نجعل الحياة السياسية في تونس قائمة على التسريبات، وإن لم تنتهِ هذه الاتهامات قضائياً بتكذيبها أو تأكيدها، فإنها ستزيد من تأزيم الوضع".

وبخصوص رفع الحصانة عن بعض النواب ومنهم الخياري، قال العيادي "لا وجود لأي طلب رسمي ورد إلى رئيس البرلمان لرفع الحصانة عن أي نائب، بالتالي مَن يريد رفع الحصانة ما عليه إلا تقديم طلب رسمي لرئيس مجلس نواب الشعب".