الأربعاء 26 كانون الثاني 2022

تونس: شعبوية سعيّد تصطدم بالواقع؟

النهار الاخباريه تونس 
قامت حركة الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 تموز/يوليو الماضي على ركيزة كبرى، هي موافقة قادة الجيش والأمن عليها، وكان سعيّد واضحا في خطابه الذي أعلن فيه عن تلك الحركة بتهديده أن «من يطلق رصاصة سترد عليه القوات المسلحة بالرصاص».
ظهر تأييد شعبي لـ«الإجراءات الاستثنائية» كما سميت حينها، وأبدت بعض القوى، وعلى رأسها «الاتحاد العام التونسي للشغل» مواقف فهم منها تأييد تلك «الإجراءات» وبذلك تم دعم التفويض العسكري ـ الأمني بتأييد سياسي ـ نقابي مثله موقف «اتحاد الشغل» وتأييد شعبي عبرت عنه تظاهرات وفعاليات أيدت حل البرلمان وإقالة الحكومة.
غير أن هذه الركائز الثلاثة، التي اعتبر سعيّد أنه حاز بها تفويضا عاما، وضعت الرئيس، بالضرورة، في موضع شديد الصعوبة لأنها حملته مسؤولية حل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مقابل تأجيل النظر في الأزمة الدستورية والسياسية التي وضع البلاد فيها.
عنت تلك المعادلة أن الاختلال (الحتمي) لتلك الركائز سيؤدي إلى فقدان سعيّد للتفويض الذي اعتمد عليه.
تقدم الأحداث التي وقعت في بلدة عقارب التونسية، التابعة لولاية صفاقس جنوب البلاد، مثالا عن ضعف قدرات السلطات السياسية على حل إشكاليات اقتصادية ومطلبية، فقد واجهت الشرطة تظاهرات أول أمس الاثنين في بلدة عقارب جنوب تونس، على خلفية احتجاجات على قرار بإعادة فتح مصب نفايات في البلدة، بإطلاق عبوات الغاز، مما أدى إلى مقتل أحدهم اختناقا.
تدخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» على إثر الاشتباكات بين المحتجين والشرطة واعتبر المدينة محاصرة وتعيش «تحت القصف المتواصل للمواطنين العزل» وكذب نفي وزارة الداخلية لمسؤولية عناصر الأمن عن قتل الشاب المتظاهر، وبعد اشتداد الاحتجاجات وانسحاب قوات الأمن اتخذت الحكومة التونسية قرارا بالاستعانة بالجيش الذي دخل البلدة أمس.
تذكر هذه الأحداث بما وقع في تونس عام 2017، وفي ظل رئاسة الباجي قايد السبسي، حيث تناظر إحراق بائع فواكه متجول النار في نفسه في بلدة طبرية التونسية (في استعادة مأساوية للحدث التأسيسي للثورة التونسية عام 2010) فحصلت احتجاجات عنيفة مع قوات الشرطة، تزامنت مع تعطيل مئات المعتصمين عبور الشاحنات والسيارات إلى حقول النفط في ولاية تطاوين، مطالبين بتخصيص 70٪ من الوظائف في شركات البترول لسكان الولاية.
أعلن السبسي حينها أن الجيش سيحمي مناجم الفوسفات وحقول الغاز والبترول، لكنه أشار إلى أن «الديمقراطية في تونس مهددة» وعرض على مجلس النواب مبادرة لـ«المصالحة الوطنية» وتمكن «اتحاد الشغل» الذي ساهم بتوجيه وقيادة الاحتجاجات حينها، من الحصول على اتفاق لتوظيف الأهالي المحليين في تلك القطاعات الاقتصادية.
أدى ذلك الاتفاق، إلى تعيين قرابة 14700 شخص إضافي في قطاع الفوسفات، الذي يمثل مركز الاقتصاد التونسي والمورد الأول في ميزانية الدولة، وتعتبر أوضاع هذا القطاع مرآة لاشتباك أوضاع السياسة بالاقتصاد، فبعد أن كانت صادرات تونس منه تحتل المرتبة الثالثة في العالم، انخفض إنتاجه منذ عام 2011، وقد توقف الإنتاج بشكل شبه كامل منذ عام، بسبب الاعتصامات وتعطيل الإنتاج والنقل الحديدي، واعتماد المنظومة السياسية أسلوب تهدئة الانفجار الاجتماعي في المناطق المحيطة بمواقع الإنتاج عبر تعيين آلاف الموظفين.
تشير الأحداث الأخيرة، منظورا إليها ضمن الاتجاه السياسي العام، إلى أن فقدان حركة سعيّد التدريجي لأثر خطابها الشعبوي، وانفضاض القوى السياسية والنقابية عنها، وإذا كانت قد مثلت جرس إنذار للنخبة السياسية التونسية، وخصوصا لحركة «النهضة» فإنها، من جهة أخرى، أظهرت للتونسيين، وبشكل سريع، مهازل الحكم الفردي وحدوده.